فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 145

غير أن هناك رجالا يأخذون للعيش أسبابه، ويطرقون للعمل أبوابه، ويحرق الواحد منهم دمه وأعصابه .. ثم لا يجدون شيئًا بعد هذا الجهد المضنى، أو يجدون شيئا يمسك الرمق، ويسد بعض الحاجات الملحة، ثم يجف المعين، وتسود الدنيا في وجوههم، وتضطرم في نفوسهم ثورة مكتومة على المجتمع والدولة، ويسوء ظنهم في قيمة العمل والسعى ... ومثل هذه الحال تظهر وتكثر عندما تضطرب الأوضاع الاقتصادية وتتدخل أمور غير إرادية، في توزيع الخسائر والأرباح، فربما أصابت القاعدين بالربح، وربما أصابت العاملين بالخسارة!!. والدولة مسئولة ـ لا ريب ـ عن إعادة التوازن، وتنظيم الأمور وتحقيق العدالة، ولا يجوز إقحام الدين ـ عندئذ ـ في الرضا بالقسمة والنصيب!!. لقد سمعت أحد الفقراء يشكو سوء الحال، وقلة الربح .. برغم جده. ويقول ـ معتذرا ـ: إن الجنيه يقرع الباب أولا ويسأل: هل أخى هنا؟ فإن قيل له نعم، دخل. وإن قيل: لا، يمم شطر ناحية أخرى، باحثا عن مستقره إلى جنب أخيه!. وقد يكون أخوه مدفونًا تحت التراب، أو محبوسًا في جوف خزانة!. وهكذا تعمل الأوضاع المضطربة على أن يزداد الغنى غنى والفقير فقرًا!. وهذا كلام ينطوى على صواب كثير، وأكثر الحكومات في العالم تأخذ به أخذا واضحًا، وتضع على أساسه سياستها الاقتصادية!!. وأقرب الأمثلة إلى أذهاننا، مكاسب الحرب والضرائب الاستثنائية، التى فرضت عليها ... فمما لاشك فيه، أن أثمان البضائع قفزت بها الحرب إلى حد بعيد. وبين عشية وضحاها، أصبح التاجر الذى كان يملك ألفًا، يملك عشرة آلاف أو يزيد. واقتحمت هذه الأموال الزائدة طريقها إلى خزائن الغنى، وهو لم يكلف نفسه، حتى مشقة فتح الأبواب، أمام هذه الوفود السعيدة التى حلت به فجأة! وبينما حالة الحرب تفعل فعلها هذا، وترفع به طبقة من الناس. إذا بها تفعل نقيضه مع طبقات أخرى، فتكلفها أن تقدم دمها، وتفقد حياتها، أو تكلفها أن تعيش عيشة تعسة لا خير فيها ولا غناء. 099

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت