كلما نظرت إلى الرجال والنساء، في الريف البائس المكروب، أو في زحام الأحياء الوطنية بالمدن، أو حيث أعمل لوعظ الناس بالمساجد وأشباهها من الأندية الدينية، كنت أرى أن هناك حلقة مفقودة، لابد منها، ليتصل هؤلاء الناس بالدين، اتصالا مُجْدِيًا عليه وعليهم. فقد يحدث أن تبذل وقتًا، في تطبيب دابة جريح، وأن تبذل الوقت نفسه في إصلاح سيارة عاطلة، أو طيارة مهيضة. ولكن النتائج التى تحصل عليها من وراء هذه الجهود، تتفاوت تفاوتًا كبيرًا. والذى يركب الدابة بعد شفائها، غير الذى ينطلق بالطائرة بعد إصلاحها!. والتبشير بالدين بين الشعوب البليدة الوانية المترنحة، قد يكسب الدين عددًا من الأنصار الكسالى، أو الأتباع السكارى ... فهل هذه الثمرة، هى التى تحصل عليها، لو جئت من بداية الأمر، فعملت على فتح العقول المغلقة، وإنماء المواهب المشلولة، وإعزاز النفوس الكسيرة، وإبراء الأكمه والأبرص؟! فإذا قدمت للدين بعد ذلك أحدًا، قدَّمت قُوَّةً، يعمل به، لا عقبة يضطرب خيالها.!! إن النبى- صلوات الله وسلامه عليه-، وَجَّه دعوته الأولى للعرب، وهم- على كفرهم الموروث- قوة لا يُستهان بها في موازين الرجولة. أجسام لم تستنزفها الأمراض المتوطنة، وكفايات خلقية عارمة، لما كانت في جانب الضلال، جعلته مرهوب العدوان، فلما نقلها صاحب الرسالة العظمى من الغى إلى الرشاد، جعلت الحق مهيئا، وطوَّفت به أقطار الأرض، تصارع دونه الأبطال، وتزلزل أمامه الجبال. وأمام الشعوب الإسلامية الآن مراحل من صحة الأبدان والأخلاق، ومن كفاية العمل والنظام، ومن روعة الإنتاج وإخصاب المواهب ... 136