والدين في حقيقته؟ ليس إلا إكمالا لمشاعر الإنسان، وتصحيحًا لمواهبه. فهو عقل يحسن التفكير، وعين تُحسن النظر، وأذن تُحسِن السمع، ويد تُحسِن العمل .. والمؤمن على هذا- إنسان ناضج الفهم، والتأمل، والحكم على الأمور. إنسان جيد الإنتاج والآثار والتصرفات ... فإذا اضطربت هذه المعانى في نفسه، اضطرب معها مصدر الإيمان في قلبه وَلبِّه، وتقلصت معها حقيقة إنسانيته. ولا تزال طوائف من الناس تفقد إيمانها وإنسانيتها معًا، حتى تدمغ بوصف القرآن لها. (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) . والمرء يستحيل دابة، يوم يموت فيه عقله المفكر، وترتكس فيه مشاعره اليقظة، فيصبح غير مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، لأن ليس له من ذلك إلا ما للحيوان السائم. حواس مسخرة في أغراض الحياة الدنيا فقط. وأمثال هؤلاء هم- مع الأسف العميق- قوام الجماهير الغفيرة، التى أعماها الجهل، وأوهاها المرض، وأهانها الفقر، قوام الكتل الضخمة من البشر، الذين يزخر بهم الشرق، ولا يتقدم بهم إلى الأمام خطوة، بل يتأخر بهم خطوات، أو هُمُ التراب، الذى تبرد فيه حرارة الإسلام وتتبدد قواه، كدين موجه فعال. هذا الهوان المادى الأدبى، لا ينبغى حسبانه دينًا، أو ظلًا لدين!. فهو عار ولدته بيئات آثمة لا تتصل بالدين إلا ادعاء، ولا يتصل بها الدين إلا مشَّوها مظلومًا مفترى عليه!. ولكى نطمئن إلى وجود ديانة صحيحة وأتباع محترمين، يجب أن نسارع إلى محو كل أثارة للفقر والجهل والمرض، وأن نخلق جيلا جديدًا، يصلحُ- بفطرته- لأداء الرسالات الكبرى، وحمل أعبائها. 135