فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 145

الترف والبؤس:

للترف تاريخ يضرب في أغوار القدم. ولمظاهره المادية والأدبية آثار عرفها المتقدمون والمتأخرون من سكان هذه الأرض على اختلاف أقطارهم. وللبؤس- كذلك- تاريخ تمتد جذوره في ماضي الإنسانية البعيد- ولصوره المادية الكئيبة، معالم عرفها الأسلاف والأخلاف جميعا. وكلا الأمرين- من ترف وبؤس- تواردا توارادًا عامًا على أجيال البشر، لا كما يختلف الليل والنهار اختلافا منتظما، يستوى الأحياء كافة في الانتفاع بضيائه والهدوء في ظلامه. بل هو توارد آخر، جعل ظلام البؤس قسمة لبعض الناس، يعيشون فيه أبدًا، ويفقدون فيه أبصارهم- إذ إنها لا ترى فيه شيئا. وجعل شعاع النعمة مشرقا على بعض آخر، فهم يعيشون فيه أبدًا، وهم يَعْمَوْنَ فيه كذلك، من طول ما يَبْهُرهُم رونقه، ويأخذ أبصارهم تألُّقه!. وفى ظهور الترف والبؤس، توجد الطبقات المترفة، والطبقات البائسة، ويولد نظام الطبقات، ويحدث التظالم الفردى والاجتماعى والسياسى. وتنشأ معانى السيادة والرق، والقداسة والضعة. وتقرر شتى التقاليد المرتبطة بهذه الأمور ارتباطا يقترب ابن المقفع من وصفه إذ يقول:"إذا افتقر الرجل اتَّهمه من كان له مؤتمنًا، وأساء به الظن من كان يظن به حسنًا. فإذا أذنب غيره ظنُّوه، وكان للتهمة وسوء الظن موضعًا. وليس من خلَّة هى للغنى مدح، إلا وهى للفقير عيب: فإذا كان شجاعًا سُمِّىَ أهوج، وإن كان جوادًا سُمِّىَ مُفسدا، وإن كان حليما سمى ضعيفا، وإن كان وقورا سُمِّىَ بليدًا، وإن كان لسنًا سُمِّىَ مهذارًا، وإن كان صموتًا سُمِّىَ عييّا". 017

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت