فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 145

أما استغلال الدّين لتجريم الشعوب ماتغص به من مرارة الظلم وهضم الحقوق، فهو ضرب قبيح من ضروب الإلحاد، إن لم يكن أقبحها على الإطلاق.

استوقفت نظرى هذه الأية الكريمة:"وإذا قيل لهم أنففوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين". فإنى شعرت بأن التساؤل الذى انطوت عليه الآية، يتضمن اعتراضًا رأسماليًا صادقًا في تصوير حالة قائليه. وأدركت أن الفكرة التى يَصْدُرُ عنها الأغنياء، في تصرفاتهم مع الفقراء تكاد تكون- قديمأ وحديثا- واحدة، لا تتغير ولا تتطور. وأساس هذه الفكرة الغائرة في الماضى، الممتدة مع الأيام، أن الله جعل الأغنياء أغنياء هكذا، لأن الله أحب لهم أن يستمتعوا بنعمة الغنى، وأن الفقراء، فقراء هكذا، لأنه شاء لهم أن يشْقوا بمصيبة الفقر. وأنه فاوت بين الناس، فخلق المكثرين والمقلين، قصدًا إلى إقامة فوارق مادية طبيعية بينهم، على أساس التفاوت في ثرواتهم، وأنه لذلك فضل البعض على البعض في الأرزاق والمعايش، فليس يجوز إيجاد أى نظام يصادم هذه الحقائق!!. وقد زيَّف القرآن هذا الكلام الذى لا يحمل مسحة من المنطق-، وبين قيمة أصحابه عندما عقب على تساؤلهم"أنطعم من لو يشاء الله أطعمه"بقولهم:"إن أنتم إلا في ضلال مبين"وذلك أن الأغنياء- في نظر الإسلام- لا يجوز أن يبقى لهم غناهم كاملا، وأن الفقراء لايجوزأن يبقى عليهم فقرهم كاملا. ولابد أن يشترك هؤلاء وأولئك، في إقامة مجتمع، لا يوجد فيه الرجل المترف والرجل المحروم. ولو أن التفاوت في الأرزاق كالتفاوت في المواهب، ما صح أن يكون ذلك ذريعة لإهدار المصلحة العامة، بل وجب أن يكون وسيلة إلى إقامة هذه المصلحة وتكليف كل فرد بنصيبه الشخصى منها- على قدر كفايته الذاتية الخاصة. 027

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت