هذا بحث مجمل في موقف الدين من الأوضاع الاقتصادية، اعتمدت في موضوعه على الدراسة المجردة لنصوص الدين، والفهم المستقل لأثاره الثابتة. ولم أجنح من هذه الدراسة إلى المقارنة بين نظام ونظام، أو المفاضلة بين مذهب ومذهب من هذه الأنظمة والمذاهب التى تمخض عنها تطور الفكر الإنسانى في العصر الأخير، فليس هذا ما يعنينى، ولست أملك العُدَّة اللازمة لاستقصاء البحث فيه.!! وإنما ألفت هذه الرسالة، ورتبت فصولها المحددة، لغاية واحدة: هى إعطاء القارئ صورة صادقة عن الفكرة الذاتية للدين، والروح العامة لمبادئه، والموقف الذى يقفه بإزاء الأفكار الاقتصادية المختلفة. وللقارئ بعدئذ أن يقارن ويفاضل، ويستخلص من النتائج ما يشاء، وحاشاى بهذا الكلام أن أقحم الدين فيما ليس له، أو أن أحمله من الآراء مالا شأن له به، فما إلى هذا قصدت ... كل ما أبغيه أن أنصف الدين من سوء الفهم، وسوء الاستغلال. فقد أنكرت الشيوعية الدين، لأنها حسبته مُخَدِّرًا للشعوب، ومسكِّنًا لآلام الطبقات المظلومة، وصارفًا لِهمم أبنائها عن المطالبة بحقوقهم المضيعة.! واحتقرت الرأسمالية الدين، إذ توسلت به إلى إشباع المطامع الجشعة، وإقرار الفوارق الجائرة، وتعويض النهضات الحرة.! والدين مظلوم بين من كفروا به، ومن جحدوه! بين الشيوعية المتطرفة والرأسمالية المتعجرفة! ولابد من أن نكشف عن حقائقه، وأن نبين عن معالمه، لنرد عنه سوء الفهم، وسوء الاستغلال جميعًا. والسبيل العادلة إلى ذلك، هى تحديد موقفه من نصوصه نفسها .. *** وقلَّما تنصرف النفوس عن الدين، لو عُرض عليها عرضًا صحيحًا نقيا، فإن أسباب الكفر مفتعلة عند أغلب المتبرمين بالتدين. 012