إلا أن الإسلام أكثر من القيود التى تجعل حق التملك لا ينقلب وبالا على أصحابه وعلى الناس. فالملك مقبول من حلال، مرفوض من حرام. والملك الحلال لابد أن تخرج منه حقوق شتى حتى يَسْلَم لصاحبه ما بقى له. وما بقى بعد ذلك لا يجوز أن يكون سنادًا لتطاول أسر متكبرة تحاول بقوة المال أن تحكم وتتصدر وتسوق الجماهير بثرائها أو بعصاها!. ذلك، إلى أن المرافق العامة ينبغى أن نرفع عنها أيدى الأفراد حتى لا تلقى مقاليد الأمة المادية والأدبية إلى نفر يفرضون عليها وصايتهم ويملون عليها إرادتهم.
تزكية النفس والضمير، وترقية الخلق والسلوك، من أهم ما عنى الدين بدرسه وغرسه، وهو- وحده- مقياس الخير والشر، وميزان القيم الصحيحة للرجال. وقد تواضع الناس من قديم على اعتبار هذه الحقيقة فوق الشك والجدل، من الناحية النظرية .. أما من الناحية العملية، فوزن الرجال بجيوبهم قد يقدم على وزنهم بقلوبهم ومقدار ما لديهم من مال هو الذى يحدد مقدارهم بين الناس!. حتى شكا الشاعر من أنه حين يطلب رؤية الشريف يريه الناس الغنى دائمًا، كأن الشرف فضة أو ذهب لا علم ولا أدب: إذا قلت يومًا لمن قد ترى أرونى السرى أروك الغنى ومثل هذه الحال جديرة بعلاج الدين، حتى لا تنطمس الحقائق، ويستحق رأى الناس في الفضائل، ويضلون طريق اكتسابها. وقد بدأ القرآن الكريم فنفى أن يكون المال- وإن كثر- مظهرًا لرضوان الله عن شخص ما، كما نفى أن يكون في الإقتار دليل على تجرد الإنسان من الخير والفضل، فقال: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني * كلا …) 106