وأن المجتمعات التى يروقك شرف معاملاتها، وجمال آدابها، وصدق اتجاهاتها، هى هذه المجتمعات، التى تأصّل فيها العلم، وسادتها العافية، وتقاربت فيها العقول، وتساوت فيها الحقوق، وأمكن فيها التفاهم والتعارف وتجاوبت فيها العواطف. حتى لتكاد التحية العابرة في الطريق أو في الترام تؤسس حُبا مَكِينًا بين أصحابها .. أما هنا، فالحرمان ملأ النفوس بالبغضاء، والتفاوت البالغ بين الثقافات والمشارب والمنافع، جعل الناس يتنفسون في جوِ من الشراسة والتناكر. وفى البيت أو في الشارع في القرية، أو في المدينة. يكون من أيسر الأمور، أن تتحول المناقشات التافهة، إلى معارك حامية!!. ثم نبحث عن حسن الخلق، فلا نجد إلا قشرة خفيفة، وراءها جفاء غليظ!. ولا عجب، فهذه النتيجة هى آخر ما يمكن للدين أن يصل إليه بالكلام أما إذا أردنا النتائج العملية العظيمة، فلها طرق أخرى. وسنجد في هذه الطرق أن حسن الخلق ثمرة دانية القطوف، في كل مجتمع ذكى غنى قوى. يصل الدين إلى تحقيق أغراضه فية، بحسن توزيع العلم، وحسن توزيع المال. أما قبل ذلك، فلا موضع لأمل، ولا جدوى في عمل. ذلك لأن الخلق ليس شيئا يقول له الخطيب المجيد: كن فيكون! بل هو أثر تفاعل النفس مع البيئة في البيت والشارع والعمل والمدرسة وغير ذلك ... فيجب تكييف هذه الأشياء كلها، لتعين على تحقيق ما نريد.
من الكلمات التى كنت أستمع إليها وأظنها من الحقاثق المسلمة، أن الشرق موطن الروحانيات، وملهم العالم مُثُله العليا، وموئل الفضائل الجليلة إن نبَتْ بها دار أو تنكرت لها أقطار!! وأن ربوع الشرق أتخمت بهذه النظرات الإنسانية العليا. حتى صاح"أمين الريحانى"صيحة الوجل من كثرتها، يريد أن يستبدل بها بعض الإنتاج المادى زخر به الغرب فهو يقول:"أنا الشرق عندى فلسفات! من يبيعنى بها دبابات وطائرات". هذه الكلمات الناطقة بأن الشرق وطن الفلسفات الروحية المجردة! وخصم الأفكار المادية المحضة هى- عندى- موضع نظر الآن، ويجب أن نعرضها على ميزان النقد، لنعرف حقيقة ما تنطوى عليه، ولنعرف- كذلك- قيمة ما لدينا وقيمة ما لدى غيرنا: فلا نضل ولا نخزى!! 064