لقد بحثت عن هذه الروحانية المزعومة في مظانها المختلفة، فلم أجد لها أثرًا يذكر. أتجدها في حياة الكبراء الشرقيين؟! لا. إن باشوات هذا الوادى الخصب، وبعض أشياخ العرب المترفين، ومهراجات الهند، في أرضهم المبهمة، لا يدرون شيئًا في معايشهم المفعمة بالنعمة والثراء .. عن الروحانية وفلسفتها إ!. بل إن مقابح المادية المغرقة ومساوئ الانحباس في بهيمية الحياة الدنيا، لا تجد لها مجالا أوسع، مما تجده في هذه الطبقات المتكبرة. أين تجد هذه الروحانية؟ أبين طوائف الفقراء المحرومين؟؟!! أحسبك لن تتصور السجن الذى ضم هؤلاء البائسين برجًا عاجيًا، أو تتخيل ابتعادهم عن الطيبات والمباهج، زهدًا مقصودًا، وتعاليًا محمودًا. إنما هى فوضى الأوضاع وفلسفة الحرمان، وهذه لا تساوى فى"سوق النقد"شيئًا نشترى به من الغرب دبابات ولا هراوات، وما تقدم الغرب إلا يوم مشى في طريق بعض تربه الموطوء بالأقدام، هذه الفلسفات البائسة!!. وقد مرت الروحانية الشرقية بتجربة قاسية، يوم خرس لسان كاهنها الأكبر"غاندى"عن استنكار المذابح الطائفية، التى التهمت ألوف الأطفال والنساء والرجال، غداة استقر الأمر على تقسيم الهند إلى شطرين. وكان ذلك على غير رغبة المهاتما صاحب فلسفة السلام العام والبعد عن أسباب الخصام! خرست هذه الفلسفة، بعد أن ثرثرت قليلًا، لتتقن تمثيل دورها، فما أجداها هذا الخداع إلا أن كشف نيتها، وفضح طويتها، فلا روحانية، ولا روحانيين. إن نزوات الأجسام إلى الطعام والشراب والنساء، أخذت صورتها الحالمة، في ألف ليلة وليلة! وأخذت صورتها الواقعة في قصور الواجدين الفاسدين، وتميز الشرق، بأن بعض كبرائه يوزن بالذهب والماس، ويبعثرهما من غير حسيب! نعم قد يوصف الشرق بالروحانية، لأنه مهبط الديانات، ومطلع أشعتها، ومورث صحائفها المطهرة للعالمين. بيد أن حالة الديانات الآن في الشرق، أو في الغرب، لا تسر. وعاطفة التدين تواجه- في هذه الآونة- أزمات خانقة، والروحانية التى تدعو إليها الأديان. تحتاج إلى بيان ينفى عنها ما لازمها، من تشويه وتحريف على مر العصور. 065