لقد استقبلت الإنسانية الإسلام، منذ أربعة عشر قرنًا، كما يستقبل المدلج المجهود مطالع الصبح الباسم، يرى فيه الهداية والرشد. أو كما يستقبل الرقيق المغلول المكدود، بشائر الحرية والعدالة، فهو يطفئ فيها ظمأ روحه إلى السيادة والسعادة. فإذا تركت المقياس الأدبى في تقويم الإسلام- كدين- يحدد العلاقة بين الإنسان وربه على خير وجه، ويدفع هذه العلاقة في طريق مستقيم، ونظرت إلى الإسلام بالقياس المادى المجرد- على ضوء انتفاع الناس منه- لكان ذلك كافيًا في فهم انتشار الإسلام، وإقبال الأمم المختلفة على اعتناقه. (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير) لو كان هذا الدين"بضاعة"تصدر من الجزيرة- قديمًا لا حديثا- لأرسل أهل فارس والشام ومصر، يسعون إلى جلبها والإفادة منها، في هدم السلطات التى عبثت طويلا بمصالحهم، وبنت كيانها على أنقاض كيانهم. إذ كان المفهوم: أن الإسلام ديمقراطية سياسية، واجتماعية، واقتصادية تواخى بين الناس، فيما لهم وما عليهم. ومن ثمَّ قامت حول الإسلام الأول، أجيال تتعصب له تعصب الخبراء الفاهمين، لا تعصب الحمقى الجامدين. أما الآن فأنت ترى وتلمس مبلغ فساد التطبيق العلمى، بل الفقه العلمى للإسلام. ومبلغ إفادة الأمم الأخرى من الأنظمة التى تسودها ... ثم نشأ عن ذلك أن الرأسمالية الغربية قامت في بيئة تفهمها وتهضمها وتدفع عنها. وأن الشيوعية لها- كذلك- دولة تتعصب لها وتبشر بها. 088