فى مصر أمراض متوطنة كثيرة، تنبعث من الديدان المنتشرة في تربتها ومياهها، والغبار المنبعث في جوها يرمد العيون. وثمَّ أمراض أخرى فتاكة تنشأ من قلة التغذية، وكثرة الإرهاق، وسوء توزيع الأعمال والأموال والعلوم المختلفة. والتقدير المادى لقيم النفوس والأجسام، يفرض على الحكومة العاقلة الراشدة، أن تحارب الأمراض، بكل الوسائل التى يملكها البشر. ذلك فضلا عن التقدير الأدبى لقيم الناس، وضرورة إنقاذهم من الغوائل التى تأتى على عقولهم وقلوبهم، فيما تأتى عليه من أجسامهم وقواهم المنتجة. والدين يحب العافية، ويعتبرها النبى- صلوات الله عليه وسلامه-، أفضل ما أوتيه إنسان بعد الإيمان بالله. ويوصى الناس بطلبها من الله- عز وجل- بعد كل أذان، واعتبر من الأدعية المأثورة التى يكررها المؤمن خمس مرات في اليوم"اللهم إنى أسالك العفو والعافية في الدنيا والآخرة". وبديهى أن التماس العافية لا يكون بالتمنى على الله، بل باتخاذ الأسباب الممكنة الموصلة إلى استئصال المرض، وإشاعة الصحة العامة، وبناء المستشفيات لذلك وتزويدها بحاجتها، وبما هو فوق حاجتها من الأطباء والدواء. وهذا- بداهة- بعد رفع مستوى المعيشة، وتنظيم الأوضاع الاقتصادية، بحيث يستطيع كل فرد أن يأخذ نصيبه من الألبان واللحوم والفواكه وغيرها! تلك حقيقة يتضافر الدين مع الدنيا على تقريرها، ويعملان معًا على تحقيقها. ولكن الناص فهموا أن الدين إن لم يُرحِّب بالمرض فهو لا يبالى بدفعه! وإن اهتم بدفعه! فبالكلام القوى، أو بالكلام المريض. وذاك حسبه من واجب، يفرضه على الحكومات، ويوجه إليه الشعوب. 095