ومثل هذا الصراع يموت فيه المنهزم موتًا ماديًا، محرومًا من العافية والاستقرار، ويموت فيه المنتصر موتًا أدبيًا. فأنى الترقى والازدهار لمن يقنع في حياته بنيل ضروراته؟! أنظمة تجعل الحياة في المجتمع دون الحياة في الغابة!. فإن الطيور تغادر أعشاشها، سعيًا وراء رزقها، فتغدو خماصًا، وتروح بطانًا، فنتيجة سعيها تكون مكفولة. فكيف الحال في مجتمعات يرهق العامل فيها نصَبًا، ويقضى حرمانًا.؟ أجل .. قد تكون آجال الحيوانات في الآجام رهنا بجوع السباع وشبعها، أفتحسب الحياة في بعض ربوع الشرق أفضل من ذلك؟! لا تزال هناك أمم تعطى حق الحياة لكبارها أولا ... ثم لصغارها ما عنت وجوههم لهؤلاء الكبار. وما استغنى الكبار عن افتراس هؤلاء الصغار، وإلا فالحكم للسيف والنار، ولمن يملك النار والسيف.
البيئة الحرة الكريمة، هى التى تعيش في حضانتها الصحيحة، وهى التى ينتظر منها أن تُنْبِت النفوس القوية، والعقول الذكية، والأجسام الفتية، ولن تجد جراثيم الهوان المادى والأدبى بقاء لها في مثل هذه البيئة. ففى الجو الصَّحْو، والأرض المشمسة، تموت الدِّيدان، وتنقرض الأوبئة. ولكن الاسترقاق السياسى والاقتصادى، عدوُّ البشرية الأول، وسرطان الأمم المعذبة. وفى ليله الطويل، لا تلمح العقول أشعة المعرفة، ولا تدرى الطباع معنى الكرامة، ولا تشرب النفوس حب الخير. وأنت إذ تبحث- جاهدًا- عن الفرد الذى تعلَّم في الغرب فاخترع، أوالذى انتخب حاكمه ثم جاء دَوْرُه هو فحكم!، إذ تبحث عن هذا الفرد في ظل الاسترقاق السياسى والاقتصادى، تجده تائهًا كاسف البال، يحسب أن وظيفته في الحياة لا تعْدُو العيش على هامش الفلاحة في أرض ملكته ولم يملكها، أو الاحتراف في أشغال بدائية لا تُدِرُّ إلا الكفاف. 142