وعلى هذا المبدأ المجرم، قام الاستعمار الداخلى في الشرق، فأسلم الشعوب لقمة سائغة، وغنيمة باردة، للغزاة الأوربيين الذى استولَوْا على كل شىء واستغلوه لمصلحتهم قبل أى شىء. ونعنى بالاستعمار الداخلى فقدان الأمم القدرة على حكم نفسها بمن تختار من أبنائها، وسقوط أزمة الحكم في أكثر الأحايين بين أناس تمقتهم الجماهير، وتتمنى زوالهم لأنهم يؤثرون شهواتهم على مصالحها، ولا يملكون كفاية حقيقية للبقاء في مناصبهم، ومن ثمّ فهم يستديمون حكمهم بالإرهاب والاحتيال وغير ذلك، ونجاح الاستعمار الغربى في أقطار الشرق مهدت له هذه الأحوال. ثم جاء دور الأحرار في الكفاح. واسترداد ما ضاع، فمن الغفلة أن ننسى دروس الماضى وعبره:"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين". ولقد لدغتنا المظالم في الداخل فسمَّمَت دماءنا، وهدَّت قوانا، وسبَّبَت لنا هزائم مريرة، فيجب ألا نمكن لها من العودة أبدًا."إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا".
للدين مع الاستعمار العالمى، موقف حاسم، لا تجد فيه إلا الخصومة الظاهرة والاستنكار البالغ. فقد وضع الدين معالم ثابتة، للإخاء الإنسانى، الذى يجب أن يسود بين شعوب الأرض، إذ رفع من شأن أبناء آدم جميعًا، وصان لهم كرامتهم، ونَوَّه بأن بداية خلقهم انبثقت من الله- جل شأنه-، وأن الله- عز وجل-، أسْجَدَ ملائكته لأبيهم، ثم خصهم بفنون من المواهب والملكات، أعلَت شأنهم بين سائر الموجودات:"ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر البحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضلا". ولا شك أن الناس يختلفون فيما أوتوا من خصائص نفسية وعقلية. 073