ولكن لا يسوغ أن يكون هذا الاختلاف بابًا إلى التعادى والتناكر، بل يجب أن يكون أساسًا لتعاون بعيد المدى، يقف القوىًّ فيه بجانب الضعيف ويأخذ العالم فيه بيد الجاهل، ويفيض المكثر فيه على المقل. أما أن يأكل القوى الضعيف، ويستعلى العالم على الجاهل،، يستعبد الغنى الفقير؛ أما أن يشعر كل ذى فضل من جاه أو مال أو سلطان، بأن له حق البغى في الأرض، وجعل أهلها شيعًا، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحيى نساءهم .. فهذا فساد عريض، وانتكاس بقيمة الإنسان ومنزلته، وردها إلى قوانين الغابات وطبائع الوحوش!! وقد انطبع الاستعمار العالمى بهذا الطابع الأسود من قديم العصور، واحمَرَّت جوانب التاريخ البشرى بدماء الضحايا المسفوكة، إشباعًا للغرائز الخسيسة، والمظالم الفادحة. ولم تتورع الحضارة الغربية الأخيرة- برغم تقدمها العلمى الهائل- عن الانزلاق في هذا المنحدر الدنىء، بل لعلها فاقت من قبلها في هذا المضمار. فهى تقاتل الشعوب المتطلعة إلى حريتها، وتجتهد في حرمانها، من أسباب العلم والقوة والنهوض. وقد أبادت أجناسًا في كثير من البلاد المنكودة الحظ التى سقطت في يدها ... وهى لا تريد إلا جعل المستعمرات الشاسعة، التى تضم أكثر من نصف البشر، حقول استغلال، ثم اتخاذ أهلها خدما، يعملون لغيرهم، ويكدحون لسادتهم المتطفلين الدخلاء. ويعتقد لفيف من المفكرين أن نهاية الاستعمار موشكة، وأنه سوف يضطر لترك الأمم التى بليت به، رادًا إليها حريتها التى سلبها إياها من قبل. ونحن لا نؤيد هذه النظرة المتفائلة، ولا نحسب ضمائر الأقوياء تثوب إلى رشدها من تلقاء نفسها. نعم قد تنسحب جيوش الاحتلال، وتختفى السيادة المباشرة، غير أن أوضاعا أخرى ستحل محلها فورًا، وتبقى الأمم الضعيفة مقودة بخيوط خفية إلى السادة الأولين أنفسهم أو إلى بديل لا يقل عنهم لؤما وضراوة. إن الاستعمار قد يتطور ويبدل أزياءه وفق الأحوال التى تلائمه، ولكنه باق ما بقى حق ضعيف وباطل قوى. 074