وإن كان أبو بكر يرى الدنيا أنزل قدرًا من أن تراعى في تقدير. وحجة أبى بكر في صنيعه: أن حساب الناس على أعمالهم وجهادهم إلى الله وحده، في الدار الآخرة. أما الدنيا، فالأمر أمر مِعد َ، يجب أن تملأ وأجساد يجب أن تكسى، يستوى في ذلك الناشط والكسول، والمتقدم والمتأخر. لكن عمر أبى إلا تحقيق العدالة، وتنظيم الأوضاع، وتكريم المتقدم وتأديب المتأخر في الدنيا، وحساب الناس- بعد ذلك- إلى الله.
لا يجوز أن يبقى رجل من غير دخل- قليل أو كثير- يكفل له المستوى الواجب لمعيشته. وعلى المجتمع الدَّيِّن، أن ينظم أموره تنظيما، يؤدى إلى هذه النتيجة المحتومة، وإلا كان مجتمعًا لا دين له. وفى ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلّم:"أيَّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى". وقد أفتى ابن حزم وغيره من العلماء، بأنه إذا مات رجل جوعًا في بلد اعتبر أهله قتلة، وأخذت منهم دية القتيل. وقد اعتبر القرآن أنه من التكذيب بالدين، أن تَدُعَّ اليتيم، وألا تحض على طعام المسكين. فكيف يكون رأى القرآن في بلاد لا تهمل الحض على طعام المسكين فقط، بل تصنع الفقر والمسكنة، وتخرج إلى المجتمع الإنسانى، ألوف الفقراء والمساكين؟!!. فكأن أنظمتها الاقتصادية آلات جبارة، تصوغ البؤس في قوالب من أبناء آدم، ثم ترمى بهم على أفاريز الطرق، وفى خرائب الأبنية أو بين السجون والملاجئ والمستشفيات. هل نسمى هذا إلا أنه كفر بالدين، وإنكار لنصوصه وقواعده ومبادئه، إى وربى، وإن أصحاب هذه النظم هم أصحاب الميسرة في الدار الآخرة. 112