فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 145

الاستعمار الداخلى يُمهِّد للاستعمار الخارجى:

كان الشرق الأوسط مستعمرات مقسمة بين الروم والفرس قبل انبثاق فجر الرسالة الإسلامية فلما ظهر الإسلام بدأ حرب تحرير شاملة ضد المغيرين على أهل هذه البلاد .. وكان عهد عمر بن الخطاب نقلة حاسمة في سير التاريخ البشرى فقد تلاشت دولة الفرس، وزالت معالمها، وتزلزلت أركان دولة الروم، وتقلصت رقعتها، وظلت الضربات تنهال عليها- بعد- حتى لحقت بأختها بعد أيام طوال ... والفاروق القائد الذى صنع هذا الصنيع الخارق جدير بأن تدرس نواحيه المختلفة، وأن تعى الأجيال المعاصرة أصول عبقريته الفذة. ونحب أن نلقى نظرة على الحالة الداخلية التى ساندت حروب التحرير أو في نطاق أخص نحب أن نعرف معالم العدل الاجتماعى لأيام عمر- رضى الله عنه- وصلة المسلمين بعضهم ببعض، وصلة الدولة بجماهير الناس، وكيف كفلت حاجاتهم وسدت ثغراتهم وقوت ضعيفهم وأسعفت محتاجهم، وطاردت البأساء والضراء في كل مكان، على أساس أن ذلك صميم رسالتها، وجوهر وظيفتها. وكان عمر بن الخطاب أخبر الناس بأثر الأوضاع الاقتصادية في الأخلاق، وضغطها المباشر وغير المباشر على سلوك الأفراد والجماعات، وتدبر هذه الوصية التى وجهها إلى ولاته:"ألا تضربوهم فتذلوهم ولا تجتمروهم فتفتنوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الفيافى فتضيعوهم". ومعنى التجمير إطالة غربة الجيش بعيدًا عن الزوجات والأولاد، فقد يؤدى ذلك إلى الانحراف الجنسى، واعتياد المعصية. وهذا إرشاد خليفة يعرف الواقع، ويعترف بما ينشأ عنه. والناس يحبون أن تصان حقوقهم، وأن يحيوا موفورى الكرامة، فإذا وجدوا أنهم- في ظل نظام ما- يحاصرهم الضيم والهوان، ويفقدون العزة والاستقرار هان عليهم أمر الإيمان، وبرد حماسهم له، بل سهل عليهم تركه. والإلحاد غالبًا ما نشأ في البيئات التى عجز الإيمان عن الوفاء فيها بالتزاماته المادية وأهمل الوصاية على حقوق الأفراد والجماعات. 068

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت