فهل وصلنا ـ بعد هذا المجهود المادى والأدبى الواسع ـ إلى درجة من الرقى، والسلامة الاجتماعية، كالتى وصلت إليها بعض الدويلات الأوروبية مثل سويسرا مثلا؟ كلا .. !. فشتان بين عدد الجرائم عندنا وعددها عندهم .. ! وما أضخم القضايا التى تنظرها المحاكم عندنا، من جنايات، وجنح، ومخالفات!. والعلة الأصلية في هذا أن اختلال التوازن المادى والأدبى، مكن لشياطين الإجرام أن تعمل وتنجح. فكيف لا يتدخل الدين في تغيير هذه الحال، إن أراد لنفسه البقاء، ولرسالته التحقيق؟! بل كيف يستغل الدين لإبقاء هذه الحال المنكرة؟!! وهل معنى ذلك إلا أنه ينكر نفسه ويخفض رأسه ويحفر رمسه؟؟!! ولنضرب مثلا ببعض الجرائم الشائعة لنرى مصداق ما قلنا.
جريمة خلقية واجتماعية كبيرة، رتب عليها الدين عقوبة دنيوية، تتراوح بين قطع اليد، وقطع العنق، عندما تكون السرقة في الخفاء، أو عندما يكون صاحبها مدمن اختلاس أو عندما تكون السرقة غصبا بالإكراه كما يعبر القانون الحديث. وعقاب كهذا ليست به شائبة قسوة مادام القصد من تنفيذه تأمين الحقوق، وصيانة الجهود، وتوجيه الناس إلى العيش من كسبهم الحلال، لا السطو على كسب غيرهم، والعيش به من حرام. ولكن هذه الأغراض كلها تذوب في مجتمعنا الذى يزخر بأسباب التملك الباطل، ووسائل الاستغلال المريب .. فإذا قامت حول الجريمة شبهات، تجعل العقاب لا يحقق هذه المصالح وجب وقفه. وامتنعت إقامته. ومن هنا أمر النبى- صلوات الله عليه وسلامه- أن ندرأ الحدود بالشبهات. وأمر عمر رضى الله عنه أن يعطل حد السرقة في عام المجاعة! ورأى أئمة الفقه أن دعوى الملك في المسروق، تمنع من الحد ـ مادامت شبهة الملك معتبرة!. 045