وهؤلاء التعساء مذهولون عن أنفسهم، تائهون عن حاضرهم: إن الشعور بالهوان والحرمان، قد شل تفكيرهم، فأنى يعرفون ربهم؟! أو يشعرون بما قد قدموا له. إنهم أعجز من أن يقدموا الحساب عن يومهم، فهيهات أن يأخذوا الأهبة الحقة للدار الآخرة؟. أنا لا أنكر أن وراء حناياهم الضامرة، قلوبا فيها إيمان ما، وتدين ما، لكن قيمة هذا كله تافهة، لا تجدى على أصحابها كثيرا، في الدنيا أو الآخرة. والدين الحق لا يؤدى رسالته في هذا الجو الخانق، ولا تثمر عقائده في هذه البيئات العقيمة. فلابد من التمهيد الاقتصادى الواسع، والإصلاح العمرانى الشامل، إذا كنا مخلصين حقا، في محاربة الرذائل والمعاصى والجرائم باسم الدين، أو راغبين حقا في هداية الناس لرب العالمين. أما أن نترك الظروف التى تلد الجريمة حتما، تنمو وتتكاثر، ثم نكتفى في خدمة الدين بالنصائح المجردة، والعواطف المفتعلة، فهذا في الحقيقة هو العبث المبين. ولست- هنا- أنكر قيمة الوازع الأدبى، أو أحاول بخس الضمير الإنسانى حقه، فقد توجد أحوال شديدة تقف الإنسان على شفا جرف هار وتطلق فيه غرائزه الدنيا، ويتضافر الحرمان والإغراء معا على سوق المرء إلى الجريمة سوقا عنيفا، ومع ذلك يتراجع عنها، ويستنكف مقارفتها. وتنتصر مواهبه العليا آخر النزاع. غير أن هذه الأحوال لا يجوز انتظارها من كافة البشر، بل لا يجوز انتظارها أبدًا على تطاول الأزمنة واختلاف الأحوال من إنسان يضىء الإيمان قلبه، مهما بلغ فضله. وربا علمه. وخير لنا أن نتعرف الأمور من وقائع الدنيا، وأن نقرر أن النسبة الكبرى من الرذائل تعود إلى واحد من الثالوث المتوطن في أرجاء أمتنا من زمن بعيد، ثالوث الفقر والجهل والمرض، أو إلى اثنين من هذا الثالوث البغيض، أو إلى أفراده جميعا. وأن زوال هذه الآفات الإنسانية، يخفض نسبة الجرائم في بلادنا 90%. ونحن نعرف أن في مصر آلافا من العلماء الذين ينتمون إلى الدين وينبثون في معاهده ومساجده، وينطلقون في المدائن والقرى يبشرون ويخطبون. 044