أجدنى بحاجة إلى أن أؤكد مرة أخرى قيمة الفطرة الإنسانية، ومبلغ الكمال الذى تستطيع معنوياتها أن تصل إليه، مهما أحيطت بالعوامل المضادة لها. فقد تحتفظ الجذوة بحرارتها واشتعالها أمدا طويلا بين أكوام التراب البارد!!. وقد تنمو في جوف الصحراء، أشجار تختزن في أوراقها الماء والخضرة والرى!. وإقرار هذه الحقائق لا ينكر حقائق أخرى، تعلن أن الفضائل الإنسانية والقومية تفتقر في نموها إلى موارد دافقة، من أمواج الحياة الغنية الكريمة العزيزة، وأن هذه الفضائل قد تذوى وتنتهى إذا لم تجد هذه الأمداد المتتابعة التى تمدها بالغذاء والنماء. ومما هو جدير بالذكر: أن النبى ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ كان يستعيذ بالله كثيرا من الديون وشرورها، وقد سمع ذلك منه مرارا، حتى سئل في ذلك فأجاب بأن المدين قد تُلجئه قلة الوفاء إلى الكذب. فإذا كانت بعض أحوال الدنيا توحى بالكذب والبخل، فبعضها الآخر يوحى بالصدق والكرم ـ لا مراء ـ ونريد نحن أن ننظر إلى بيئتنا لنرى، أتوحى بالفضائل وتنشئ النفوس عليها، أم أن لها إيحاء آخر؟؟ وليس فيما شرحناه في الفصل السابق غناء عن متابعة النظر في هذا المعنى فنحن نقصد ـ هنا بالفضائل المستوحاة من البيئة، تلك الفضائل الإيجابية الجليلة، من إنسانية عامة، أو من قومية خاصة!. تلك التى لا تقوم على ظهر الأرض حضارة عظيمة إلا في ظلها. *** وفقدان العدالة الاجتماعية في أنحاء هذا الوادى جعل الناس يخرجون من ظلام الأرحام إلى ظلام الدنيا المليئة بالفاقة والجهالة، لا عمل لهم إلا ما توارثوه من بذر الحب وانتظار الثمار من الرب كما يقولون. فإذا طلعت الشمس عليهم طلعت على قوم، لم يجعل الفقر لهم من دونها سترا، بل طلعت على قوم لا يكادون يفقهون قولا!. 056