قد يقال: أين هى آثار نظام الطبقات، وما هذا الكلام عن الأوضاع الاقتصادية المختلة، مع أن الناس جميعًا يأخذون أنصبتهم من الحريات العامة بأقساط متساوية، وهم- مهما تفاوتوا- سواءٌ أمام القانون، كما نص على ذلك الدستور؟؟. وهذا كلام قد تبدو عليه مِسْحَةُ الصحة، ولكنه في باطن الأمر عليل .. ! فليس القانون الموضوع- ليتحاكم الناس إليه- هو كل شئ، حتى يذكر هذا الاعتراض. لقد طفت أكثر البلاد العربية فلم أجد في أحدها التفاوت بين الناس الذى وجدته في مصر .. ! رأيت الإنسان العادى ينادى الوزير فمن دونه قائلا بصوت جهير: أبا فلان!! فيلتفت الموظف المنادى مهما كان منصبه ملبيا النداء دون تأفف ولا ضجر .. ورأيت الخادم في بيوت الأغنياء مرعى الكرامة، ويغلب- إن لم يتحتم- أن يأكل من طعام رب البيت .. وحرمته المادية والمعنوية مصونة لا يفكر أحد في إهانتها أو تجاهلها. ورأيت الضابط والجندى زميل عمل، ورفيق سلاح، تجمع بينهما عشرة حسنة، يوقر الصغير الكبير، ويرحم الكبير الصغير، ولا تجرى على ألسنتهما بذاءة، أو يسكن قلوبهما كره .. رأيت البشر هنالك يحيون على تفاوت الأرزاق حياة لا انكسار فيها ولا إذلال. فقلت لصديق لى: فما بالنا نحن نصنع مجتمعا حافلا بالنقائض والمنغصات؟!. فقال: لعلها آثار الحكم التركى في بلادنا!! بقيت بعدما زال وانقضى عهده. فقلت: أعلم أن للأتراك في هذا السفه ماضيًا معنتا، ولكن الأتراك حكموا البلاد العربية كلها، فلم بقيت هذه الرواسب لدينا وحدنا؟!. وفكرت في الأمر فوجدت، أن بقايا الفرعونية الأولى، إلى جانب الغشم التركى، إلى جانب الفقر الرهيب والغنى الرحب، إلى جانب ضياع معنى الإيمان الحى .. إلى أمور أخرى كثيرة صنعت في مصر ما نرى. 052