فهناك تقاليد مقررة، ومبادئ قائمة، هى أعمق أثرا، وأشد نفاذًا في بيئاتنا كلها، أقامت من الفوارق بين أبناء الأمة الواحدة، ما يتعذر معه أى إصلاح.!! ولقد أقمت سنوات في المدن، وسنوات في الريف، فرأيت أمراض هذا الداء متفشية في كل مكان، وتأكدت من أن كرامة الفرد محدودة الثمن، يشتريها ويدوسها- إذا شاء- موظف صغير .. وأن طبقات الأمة لا تستمتع بالمساواة الحقة الكاملة في العلم وفى الحكم. بل ولا في الطعام واللباس والتمريض والتوجيه العام. والتفكير المستكبر الجهول، الذى شرَّد"جَبلةَ بن الأيهم"، لا يزال يملأ رؤوس الكثيرين من سادتنا الذين لم يشردوا بعد.! وهذا التفاوت العجيب يظهر حتى في الثياب التى نرتديها! تلك الثياب التى جعلت من الأمة المصرية الواحدة"كرنفالا"لا تؤذن مهازله بانتهاء، فكأن الأزقة والميادين تأخذ أمداد المارة من عدة شعوب، أو كأنها تَعجُّ بخليط ضَلَّ منبته الأصيل، فليس يُدْرَى أعربىّ هو أم أعجمىّ.؟! ومع ذلك نزعم في أنفسنا وَحْدَة الفكر والشعور والاتجاه! فأين ذلك من وصية النبى محمد- صلوات الله عليه وسلامه- لصاحبه أبى ذَر بشأن خادمه"أطعمه مما تطعم وألبسه مما تلبس". ومن آثار هذا الاختلال، أن تَلوَّثتْ حقيقة الخير في النفوس، حتى هبطت إلى مستوى لم تهبط إليه من قبل .. ! وأين- برب الناس- معنى الخير في حفلات لاهية صاخبة، يرصد دَخْلُها لإعانة المنكوبين؟!. وكيف يأبى المترفون إلا الحرص على مُتعهم الحقيرة، حتى في الساعات التى يصطرخ فيها الأشقياء، فيأبى هؤلاء أن يرسلوا إغاثتهم إلا وقد أخذوا في مقابلها لذة وأطفأوا شهوة؟!!. أتراهم لو شعروا بالإخاء الصحيح، والمساواة الكاملة، التى تربطهم بجمهور الشعب، أكانوا يستسيغون ارتكاب هذه السفسافات الوضعية .. ؟!! وقد انتشر هذا الفساد- من أعلى إلى أسفل كما أشرنا سابقأ- فإذا ألقيت نظرة 053