وقصد الشارع من وراء هذا الاحتياط ألا تقطع إلا اليد الظالمة الآثمة. يد اللص المعتدى على حق غيره يسرقه، غير قانع بما عنده، وهو يكفيه ويغنيه. والمجرمون الذين يُعدُّون من هذا النوع قلائل .. بل إنهم يعدون على الأصابع من بين الالآف، التى تقدم إلى المحاكم .. روى مالك بن أنس في الموطأ أن رقيقًا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مُزَيْنَة فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كُثَيَّر بن الصلت بقطع أيديهم ... !! ثم قال عمر: أراك تجيعهم؟! والله لأغرمنك غُرْمًا يشق عليك. ثم قال للمزنى: كم ثمن ناقتك؟ فقال: قد كنت- والله- أمنعها من أربعمائة درهم!. فقال عمر لحاطب: أعطه ثمانمائة درهم .. !! قال ابن وهب: إن عمر- بعد أن أمر كُثَيِّر بن الصلت بقطع أيدى الذين سرقوا- أرسل وراءه من يأتيه بهم (ليرفع الحدَّ عنهم) . فلما جىء بهم قال لعبد الرحمن بن حاطب: لولا أنى أظنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو وجدوا ما حرم الله لأكلوه لقطعتهم. ولكن والله إذ تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك، .. من هذا الأثر ترى أن عمر فهم تشريع القطع على حقيقته. فهم أنه عقوبة رادعة لمن يرتكب هذه الجريمة من غير حاجة تلجئه إلى مال الغير. وحين تبين له أن هؤلاء الغلمان اضطروا إلى السرقة- لما نالهم من جوع وحرمان- أبعد الحد عنهم. وإذا أسقط الحد عن هؤلاء المرهقين ضاعف العقوبة على رب المال الذى أساء الامتلاك، وكان بأثرته- علة هذا الاضطراب في المجتمع ... !! والاضطراب الاجتماعى الخطير في هذا الوادى، هو الذى يصم باللصوصية أقوامًا، كان من الممكن ألا يوصموا بها قط، ويُبَرِّئ من اللصوصية أقوامًا، كان ينبغى ألا تنفك عنهم أبدًا. وما أكثر بلاد الإسلام التى يغلب عليها هذا الاضطراب والتناقض. 046