ففى هذا الجو- وحده- يكون التسامى بالمواهب العظيمة فقط، وتقل أو تنعدم كل دلالة باطلة للمال، على رفعة أو جاه. ويجب ثانيًا أن يوضع من الأنظمة ما يجرد الأغبياء من مظاهر الذكاء، وما يرفع الأذكياء عن حياة الخمول والتعطل، وذلك يتطلب تقويم كفاية الفرد تقويما ماديًا، فمن ارتفعت منزلته الأدبية ارتفعت منزلته المادية. وقد كان أبو بكر يوزع على الناس سواسية، فلما جاء عمر، رفض هذا التقسيم وأعطى الناس حسب منازلهم. ذكر الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه"فقه الصحابة والتابعين": كان الصديق أبو بكر يُسوى بين الناس في أعطيتهم فلا يفضل أحدًا على أحد. قال يزيد بن أبى حبيب: إن أبا بكر لما قدم عليه المال جعل الناس فيه سواء وقال:"وددت أن أخلص مما أنا فيه بالكفاف، ويخلص لى جهادى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم". وحدث الليث بن سعد أن أبا بكر كُلم في أن يفضل بين الناس في القسم فقال:"فضائلهم عند الله. فأما هذا المعاش فالتسوية فيه خير".! فلما تولى عمر الخلافة واتسعت الفتوح وتدفقت الغنائم رأى عمر في توزيع العطاء بين الناس غير ما رأى سلفه. رأى أن لا يسوى بين من قاتل رسول الله وبين من قاتل معه! ثم جعل الناس مراتب وطبقات في الأخذ من هذا المال، حسب درجة كل منهم في الإسلام .. ومن كلامه في تبرير هذا التفاوت:"ما أنا في هذا المال إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل، وقسمنا من رسول الله صلى الله وسلّم .."! فالرجل وتِلاَدُه في الإسلام .. ! والرجل وَغنَاؤه في الإسلام .. ! والرجل وحاجته في الإسلام .. ! وعندنا أن مَلْحظ عمر في تقسيم العطاء أولى بالتطبيق. فإن درجات الناس في الآخرة حسب إيمانهم، لا تهدى الفوارق التى بينهم في الدنيا حسب كفايتهم وجهادهم. . 111