فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 145

والمذاهب السياسية والاقتصادية، التى تغمر العالم في الفترة الأخيرة من تاريخه، تنظر إلى الدنيا هذه النظرة نفسها، والرجال الذين ينادون بها يريدون أن يعيشوا في ظلها سعداء، أو يموتوا دونها شهداء. فالشيوعية- مثلا- في روسيا وعدت جمهور الشعب بحياة لا شقاء فيها ولا جوع ولا بأساء. فإذا تحمل جمهور الشعب الشقاء والجوع والبؤس في سبيل الذود عنها، حين وقعت الحرب بين روسيا وألمانيا. فليس ذلك طبيعة النظام الذى ارتضوه لأنفسهم، ولكنها طبيعة الحرب، التى فرضت عليهم. وما يقال عن الشيوعية، يقال عن النازية، ويقال عن الديمقراطية. فكل دين أو نظام يعدُ أصحابه الخير الكثير، ولكنة لا يكذب إذا كلف أصحابه أن يقدموا أنفسهم وأموالهم وكل خير لديهم في سبيله! غاية ما هنالك أن الأنظمة المدنية لا تعد أشياعها إلا بأجزية مادية قريبة. أما الدين فَيَعِدُ أتباعه بالآخرة إن هم- في سبيله- فقدوا الدنيا. هل يفهم أحد من ذلك، أن الدين يكره الدنيا ويحتقر المال؟؟ إذا كان الدين يُتَّهم بذلك، لأنه يأمر الناس أحيانًا أن يُضحوا بالدنيا، وأن يزهدوا في المال. فإن الأنظمة المدنية والمبادئ الإلحادية، ينبغى أن تتهم كذلك بالتهمة نفسها، لأنها كلفت أصحابها أن يُضحوا بالرجال والأموال، ولكن أحدًا لم يتهمها بذلك. لأن سوء الفهم للدين وحده، موفور، إذ تؤيده الشهوات، وتدعمه الأهواء! .. أما سوء الظن بالمبادئ والأنظمة الأخرى فقليل أو معدوم. ليست للمال دلالة معنوية مجردة، على خير أو شر، وإن كان من الممكن أن يكون خيرًا، ومن الممكن أن يكون شرًا، على حسب الطرق التى يؤخذ منها وينفق فيها. غير أننا إذا أردنا بناء عالم جديد، تمتزج فيه الدنيا بالدين، لخير الإنسانية ومستقبلها فلنضع نصب أعيننا أولا، ضرورة تقارب الملكيات وتكافؤ الفرص، وتساوى الأفراد في الحصول على المقومات الأولى للإنسان من غذاء، ولباس، وعلم، وخلق. 110

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت