فالسعادة في الدنيا بعض الاْجر المعجَّل للإنسان، على استقامته فيها. وقد قال الله عزَّ وجل- في أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام-: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) ولذلك وَهِم الأكثرون، أن الغنى مِنَح إلهية، تدل على الرضاء العالى!. وأن السعادة المرجوة، لا تقوم إلا على ركام كَثيف من المال!. وقد تضافر هذان السببان على إعطاء الطبقات الغنية، مهابة في القلوب، وسعة في الجاه، مما جعل جمهور الشعب يتلقى سطوتها بالقبول والانحناء، تارة باسم الدنيا، التى يملكها صاحب المال، وتارة باسم الدين، بجعل الدنيا نصيبًا مفروضا للأغنياء، أخذوه باستعدادهم واستحقاقهم .. ولكن الدين- كما علمت- لا يرى في المال أية دلالة معنوية. وطيب الحياة الذى وعد الله به المتدينين، لا يعنى بالتحديد كثرة المال، وبسطة الرزق، واتساع الجاه. فهذه أمور قد يصيبها المؤمن، وقد يصيبها الكافر، وقد ينالها البعيد عن الله والقريب منه، إذ قال الله تعالى: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) . وقد ينكب المؤمن في هذه الأمور، لعوامل طارئة، فلا تنقص قيمته. ولا تخدش كرامته! .. أما طيب الحياة المفروض للمؤمن، فمعناه أن يعيش كبير القلب، رفيع الرأس، يُقْبِل على الدنيا، ليأخذ منها زاده المادى، ويقبل على الدين، ليأخذ منه زاده الروحى. يحرص على إيمانه بربه أبدًا، ويحرص- كذلك- على نصيبه الحق الكريم من دنيا الناس. فإن فقده نداء إيمانه بربه وإنسانيته ومُثُله العليا، فإلى حيث أَلْقَتْ، وإن وجده عونًا ومددًا لحياة نقية، بعيدة عن الهوان والطغيان، فبها ونعمت! 109