فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 145

.أما بعد فإن أناسًا قِبَلَنا لا يُؤدُّون ما عليهم من الخراج، حتى يمسهم شىء من العذاب. فكتب إليه عمر: أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياى في عذاب البشر، كأنى جُنَّةٌ لك من عذاب الله، وكأن رضاى ينجيك من سخط الله! - إذا أتاك كتابى هذا، فمن أعطاك ما قِبَلُهُ عَفْوًا وإلا فأحلفه فوالله لأن يلقوا الله بجناياتهم أحب إلىّ من ألقاه بعذابهم والسلام .. وبهذه الوصاة رفض الخليفة الراشد مبدأ الضغط على الجمهور، وإهانته حتى يدفع الضرائب المستحقة عليه!. فهل تعرف ذلك حكومات شرقية كثيرة؟! .. وروى أن قومًا من الكلاعيين، سُرق لهم متاع، فاتهموا أناسًا من الحاكة فأتوا بهم النعمان بن بشير ـ رضى الله عنه ـ، فحبسهم أياما، ثم خلى سبيلهم. فأتوا النعمان وقالوا له: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان؟ فقال النعمان ما شئتم؟ إن شئتم ضربتهم، فإن خرج متاعكم فذاك، وإلا أخذت لهم من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم. فقالوا: هذا حكمك؟!، فقال: هذا حكم الله ورسوله. وبهذا رفض الصحابى الجليل مبدأ تعذيب المتهمين، لحملهم على الاعتراف. فهل تجد من هذه الأمثلة وغيرها شيئا يعين الأمراء والولاة على الاستهانة بحقوق الناس وحرياتهم. ومع هذا الهدى الواضح، في تقرير الكرامة السياسية، فقد نُكبَ الشرق بحكومات قصمتْ ظهره من طول ما أهانَتْه وأذاقته الهوان ومن طول ما ادَّعَى أصحابها زورًا، وانتفخوا غرورًا، فضاعوا وأضاعوا، وضلوا وأَضلوا. لقد أبى عثمان بن عفان ـ وهو خليفة صحيح البيعة راشد السيرة ـ أن يصدر الأوامر بضرب الجماهير التى تأَلَّبت ضده وأحاطت بقصره. كأنه ـ رضى الله عنه ـ كره أن يُسْتَنَّ إعمال السوط في ظهور الناس، أو يلجأ إلى استدامة سلطانه بالسيف، ومات الخليفة الراشد مستمسكا بهذه السياسة. 079

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت