فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 145

فإن الحاكم المستبد، الذى تنتهى تصرفاته بإذلال الشعب، واحتقار رأيه، وكبت رغائبه، هو الحاكم الذى يمهد تمهيدًا واسع النطاق للاستعمار، ويفتح أبواب البلاد على مصراعيها، للعداون الأجنبى. ومما لاريب فيه، أن سياط الحكومة في الداخل توطئ ظهور لقبول السياط من الخارج! ومتى انحنت القامات مَرَّةً لمن يريد ذلك من الحكام المجرمين، انحنت مرة ومرة، لمن يشتهى ذلك من طغاة المستعمرين! ومن ثمَّ وضع الدين مبدأ القصاص من الحاكم، حتى لا يجرؤ على ضرب الناس كلما بدا له! وقد بدأ النبى- صلوات الله عليه وسلامه- فطبَّق المبدأ على نفسه، حتى تكون منه الأسوة الحسنة. بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقسم شيئًا إذ أكبَّ عليه رجل- زاحمه وضايقه- فطعنه الرسول بعُرْجُون كان معه، فتألم الرجل، فقال له الرسول: تعالَ فاسْتَقِدْ منى- اقتص- فقال: بل عفوت يا رسول الله. ولما كان ظلم الحاكم واستباحته للرعية خطيرًا في نتائجه، ويعتبر تهديدًا لسلامة الدولة أرشد عمر بن الخطاب جمهور المسلمين على عهده إلى حقوقهم كاملة فقال"إنى لم أبعث عمالى ليضربوا جلودكم، ولا ليأخذوا أموالكم فمن فعل به ذلك فلْيَرْفَعهُ إلىّ ليقتص منه". فقال عمرو بن العاص معترضا:"لو أن رجلا أدَّب بعض رعيته أتقصَّهُ منه"؟! فقال عمر:"إى والذى نفسى بيده، أقصُّهُ منه. وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقص من نفسه". وقد طبق عمر- رضى الله عنه- هذه القاعدة في حزم يدل على بالغ اهتمامه بها، عندما أراد لذلك المصرى الأبى الذى ضربه ابن عمرو بن العاص حاكم مصر، أن يقتص من عمرو نفسه. وقال كلمته الخالدة التى يزهى بها التاريخ:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمها تهم أحرارًا". وكتب عدِّىُّ بن أرْطأة إلى عمر بن عبد العزيز وهو عامل له: 078

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت