فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 145

(ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) إن عدم الفرار من الحياة القذرة ـ ولو إلى الموت ـ مهانة نفسية، لفت في سوادها أكثر أقطار الشرق الإسلامى. والغريب أن يكون هذا باسم الإيمان بالله، والتسليم للقدر، مع أن التجارب علمتنا: أن الجرأة على الموت فضيلة لا تظهر إلا في الشعوب الحية والأمم القوية. وضريبة الدم التى نسمع عنها؟ لن يدفعها إلا أبناء هذه الأعم العظيمة. وقد كان العرب الأوائل يحرصون على الموت، أكثر مما يحرص أعداؤهم على الحياة .. أما الحياة السقيمة، فهم أبعد الناس عن الرضا بها، أو الهدوء في كنفها. فأين من هذا أقوام يطوون بطونهم على خشاش الأرض ثم لا يرضون بهذا فحسب، بل يقولون:"اللهم أدمها نعمة، واحفظها من الزوال". أليس زوال هؤلاء نعمة تستريح بها الحياة!. إن استحال إصلاحهم؟ قال ابن المقفع على لسان"كليلة ودمنة":"إن من الناس من لا مروءة له، وهم الذين يفرحون بالقليل ويرضون بالدون!؟ كالكلب الذى يُصيب عظما يابسا فيفرح به!. وأما أهل الفضل والمروءة، فلا يُقنعهم القليل، ولا يرضون به، دون أن تسمو به نفوسهم إلى ما هم أهل له، وهو أيضا لهم أهل، كالأسد الذى يفترس الأرنب، فإذا رأى البعير تركها وطلب البعير. ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه، حتى ترمى له الكسرة. إن الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدم إليه علفه لا يعتلف حتى يمسح ويتملق له. فمن عاش ذا مال وكان ذا فضل وإفضال على أهله وإخوانه، فهو- وإن قل عمره- طويل العمر. ومن كان في عيشة ضيق وقلة وإمساك على نفسه وذويه فالمقبور أحيا منه، ومن عمل لبطنه وقنع، وترك ما سوى ذلك عد من البهائم. قال كليلة: قد فهمت ما قلت، فراجع عقلك، واعلم أن لكل إنسان منزلة وقدرا. 061"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت