فإن كان في منزلته التى هو فيها متماسكا كان حقيقًا أن يقنع. وليس لنا من المنزلة ما يحط حالنا التى نحن عليها. قال دمنة: إن المنازل متنازعة مشتركة على قدر المروءة. فالمرء ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة إلى المنزلة الرفيعة، ومن لا مروءة له، يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلة الوضعية!. وإن الارتفاع إلى المنزلة الشريفة شديد، والانحطاط منها هين، كالحجر الثقيل: رفعه من الأرض إلى العاتق عسر، ووضعه إلى الأرض هين .. فنحن أحق أن نروم ما فوقنا من المنازل، وأن نلتمس ذلك بمروءتنا.". التعلم: فضيلة طالما أطنب الدين في مدحها، حتى جعل منزلة العالم بين العباد كمنزلة البدر بين سائر الكواكب! وحتى جعل فضل العالم، تشهد به الطيور في الجو، والحيتان في البحر! ولكن بمقدار ما مدح الدين العلم، بمقدار ما تهاوى المسلمون في الجهل!!. فما حولتهم نصائحه بدورًا ولا شموعًا، ولا شهد لهم بالفضل طير ولا دابة، بل قَلَّتْ نسبة المتعلمين، وفحشت نسبة الجهال، وأضحى مستوانا العلمى لا يشرف أبدًا!!. ومنذ عشرين عاما، والمصلحون في مصر يحاربون هذه الروح المنكرة، حتى استطاعوا أن يرفعوا نسبة المتعلمين إلى 25%، من بينهم من يحسن كتابة اسمه فقط، ومن يحسن قراءة الصحف بعد إعلان الحرب على علماء اللغة جميعًا. وقد تعلو نسبة التعليم مع هذه الجهود الدائبة، بيد أن نسبة المثقفين لا تزال ضئيلة، ومستوى التربية العامة لا يزال أدنى من أقطار أخرى. وبديهى أن تعميم التعليم بالنصح والإرشاد والترغيب، أمر لا طائل تحته فإن الأمر يحتاج إلى إلزام عام، تُسَخَّر فيه قوى الدولة ومواردها! ويجب أن تلين أنظمة الأمة الاقتصادية والاجتماعية، تبعًا لذلك، حتى لا يبقى في البلاد جاهل واحد. وإلا فلا قيمة مع الجهل لدين يبقى لنا، أو لدنيا نحيا فيها. إن احتكار العلم كان- قديمًا- إحدى الدعائم التى يقوم عليها نظام الطبقات .. فكان الكهان والرهبان، ومن على شاكلتهم يمنعون المعارف القليلة التى بين أيديهم أن تصل إلى غيرهم، حتى لا يشاركوا في القداسة والكبرياء المفروضتين لطبقتهم!. 062"