فحاجة النفس الإنسانية إلى سناد مادى، لتقوى به وتعتز، أمر لابد منه وإلا فسيدركها ذل الاحتياج وهوان الشأن في البيئة الفقيرة الحقيرة! ولولا الكفاح المتتابع الجاد، الذى قام ـ ولم يزل يقوم به العلم والإيمان ـ لاستبد في الأرض سلطان الكثرة في المال والجاه، ولأنكر على الطبقات الفقيرة كل شرف وتقدم. فلنغرس العزة في النفوس ـ إذا شئنا ـ بالدعايات الواسعة والهتافات المدوية. ولكن لن يبقى بعد ذلك، إلا أثر المكان الذى ينبت العزة، والمجتمع الذى يمنح كل الطبقات نصيبها المفروض لها، من الإباء والتطلع والاعتزاز. وقد يعقل الفقر الفتى دون همه وقد كان لولا الفقر طلاع أنجد ومن المؤلم أن الذل اختلط بالدين الآن اختلاطا سمجا، فكثيرا ما كنت أستمع إلى كلمات الرضا"بما قسم الله لى"من أفواه الفلاحين الكسالى المنكوبين في أرزاقهم، ومن أفواه العمال المضيعين في أجورهم. ومن أمثال هؤلاء، وأولئك، ممن حظهم في الحياة ضئيل، ونصيبهم من الدنيا قليل! ولا يسعون إلى تغيير وضعهم بالعمل والعلم والوعى والإيمان ... فكنت ـ أول الأمر ـ مخدوعا بما تشير إليه الكلمة من إيمان وتسليم، حتى تبينت أخيرا أن للكلمة الشائعة دلالة أخرى، قد تكون أقرب إلى الواقع!. فرجعت أتساءل .. ترى هل هذا رضاء بالقدر في أشد أحواله؟. أم هو حرص على الحياة في أحط صورها؟! ولم يطل تساؤلى كثيرا، فقد عرفت وجه الحق. إن المسألة لا تعدو الاستمساك بأهداب الحياة، ولو كانت في الدرك الأسفل من الشقاء. والاستنامة في مهاد الذل، ولو كان مليئا بالأشواك والأقذار!. ترى هذا كله ثاويا في قرارات النفوس المريضة، تمكن له التعاليم الضالة والفكر الخاطئة، فإذا هو يظهر على الألسنة كأنه تسبيح وتحميد، ولكنه في الحقيقة الركون إلى معيشة العبيد! وقد عاب القرآن قوما، لأنهم يرضون بالحياة على أى صورها فقال: 060