فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 145

فلما انتقلت مقاليد الأمور إلى عبيد الشهوات، وجلادى الشعوب من المترفين الثوريين وغيرهم، وقف سير الحضارة العادلة الرشيدة، بل تراجعت تراجعا آليا في نواحٍ كثيرة. ولو اسْتَقْرَأنا أحوال أمتنا في كثير من الأحقاب، لراعنا الصّراع الصّامت العنيف بين الحق والباطل، وبين الظلم والعدل. وبين الشورى والاستبداد ولرَاعَنا أن حساب الأرباح في بعض العصور ضئيل، وأن حساب الخسائر سَيْلٌ لا آخر له ولرأينا أدلة واقعيّة تتزاحم أمامنا. شاهد عدل على أن الأمم التى تسلم زمامها للمترفين من أبنائها إنما تسلم عنقها لجزار أثيم. قصاراه- إزاء الشعب- أن يذكر الله وهو يذبح الناس. وعلى ضوء هذا الدرس المؤسف: يجب أن نفكر طويلا .. إذا أردنا الحياة الواعية الرشيدة، ويجب أن نعزم على اتخاذ كل الوسائل التى تقيم الموازين القسط بين طبقات الأمة، وأن نغلق الباب إلى الأبد، في وجوه المتعطلين والمنتهزين. ذكر إن نفعت الذكرى تأتى على الأمم فترات تنسى فيها مُثلها العليا، وتعنى بخسائس الحياة، وتوافهها، ويتجه نشاطها العقلى والاجتماعى إلى اللغو واللهو. هذه الفترات كساعات الإغماء للإنسان الحى، أو كساعات الذهول للعقل المفكر!! إذا طالت كانت لها عواقبها الخطيرة، بل إن أخطر ما يعترى الأمم من انتكاسات وهزائم، إنما يبدأ في هذه الفترات الطائشة. وقد أتى على الأمة الإسلامية عصر بل أعصار، كان ساستها وقادتها لا شغل لهم إلا البحث عن اللذائذ، والجرى خلف الشهوات، وإشباع النزوات الدنيئة، بفنون من العبث والمجون!. وولدت جراثيم الانحلال في جسم الأمة يومئذ، ثم مشت في دمها. ولم تزل بها حتى أوردتها سوء المصير. وكان الشعراء المرتزقون كالصحفيين المأجورين في هذا العصر، يتملقون الطبقات المترفة. ويصفون حفلاتها الماجنة وصفا مغريا، ويسكتون سكوت المقابر عن وصف حالة الشعب، وتصوير بأسائه وضرائه، لأن الثمن كان يغدق عليهم إغداقا من دوائر المال الكبرى، ومن المصاريف السرية، ومن طوائف الكبراء المنتفخين!. 041

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت