وبلغ فجور بعض الشعراء في العصر الأندلسى. أنه ألف شعرا أنطق به الحمائم في أغصانها وجعل أنغامه مشابهة لهديلها! فقال: إن الحمام بأيكها تشدو هل قد عُلم أو قد عُهد أو كان؟ كالمعتصم والمعتضد ملكان؟ وهكذا أنطقوا الحمام- وهو رسل السلام- بمدح أقوام كانوا حربا على مستقبلها. وعلة أصيلة في الهزائم المتلاحقة الشنيعة .. التى سحقت دولة الأندلس. ومحت معالمها محوا لا نظير له في التاريخ!. والمعتصم والمعتضد اللذان ورد ذكرهما في هذا المدح الفريد. قد تناولهما شاعر آخر من حكماء الشعر البصراء بأقدار الرجال. وسياسات الدول. فذكرهما في معرض السخرية والازدراء. وقال: مما يُزهدنى في أرض أندلس ألقاب مُعتصم فيها ومُعتضدِ! ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكى انتفاخا صولة الأسد وما أحوجنا- والعظة حافلة في ماضينا الحافل- أن نحشد الأقلام والألسنة لتعلن على المترفين حربا لا تنتهى حتى ينتهوا. فلن تقوم في الشرق دولة عادلة، وفيها مترفون فاسقون غافلون! ولن تبقى آمنة من النكسات المحذورة ما بقى لهؤلاء المترفين أذناب مروجون. وصحفيون مأجورون. وشعراء مرتزقون. إن حرية التملك التى أباحها الإسلام تكتنفها قيود كثيرة، وهى قيود قوامها الأول ألا يصطاد المال من وجوه الريبة فضلا عن أبواب السحت .. وأغلب دعائم الترف التى رأيناها- إن لم تكن كلها- تقوم على هذه المصادر. ولو أن الحلال المحض أثل لأصحابه مجدا جعلهم يعيشون مترفين لكان من حق الأم أن تحرس كيانها بمنع هذه الحال .. فإن الطوائف المترفة خطر مرهوب العقبى على مستقبل الشعوب. 042