بل إن هؤلاء القوم ليحسبون أن دعوات الإصلاح والعدالة، ليست إلا ستارًا، يختفى وراءه الطمع في انتزاع ما يستمتعون به من سلطان. فكل صيحة تنادى بالإصلاح الاقتصادى، والعدالة الاجتماعية، وتتيح لأبناء الأمة أقساطًا متساوية من الحياة الصحيحة، وتجعل الناس لايذلون إلا لبارئهم وحده، تعتبر في عرف هؤلاء الطغاة وفهمهم، صيحة لمنازعتهم السلطة، ومشاركتهم الدولة، ومقاسمتهم الثروة، يتذبذب في صدورهم- بعد سماعها- منطق المستكبرين من آل فرعون عندما قال لموسى: (أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين) . مثل هذه العقلية الجامدة على موروثاتها، المستهينة بحق غيرها في الحياة الصحيحة، لا يجوز أن تلقى من الشعوب إلا النبذ والاحتقار. فإذا سول الشيطان لبعض الأذلاء المتملقين، أن يعيشوا لهؤلاء أتباعًا يأكلون على موائدهم، ويدفعون عن مبادئهم. فهم مع من ارتبطوا بهم في الدنيا والآخرة لكل خزى يتبعه خزى، وعذاب يلحقه عذاب: (وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) . هذه أسباب- أجملناها- لِرَأى القرآن في الطبقات المترفة!. ونحن حين نرسل نظرات خاطفة إلى تاريخنا الطويل، نجزم بأن قوى الشر قد انتصرت في كثير من الأعصار والأمصار. ونرى أن الطبقات المترفة (حتى لو اتسمت بالثورية والتقدمية) لم تلبث أن استعادت سلطانها، الذى أفقدها الإسلام إياه، يوم أن كان الوحى غضًا فتيًا، ويوم أن كان الحق عزيزًا بجنده وأنصاره .. 040