وطبيعة الشهوات الإنسانية أنها إذا لم تجد حدودًا تقف عندها، طغت بأصحابها، وسخرت قواهم للأغراض الدنيئة. فإذا كان الحكم يكاد لا يتجاوز حدود هذه البيئات، فماذا تكون حال الأمة التى تنكب به؟!. إن عدوى الفساد الخلقى والاجتماعى والسياسى، تهبط من أعلى إلى أسفل وتكون دائرة محكمة من التقاليد الباغية، والمظاهر الفارغة. فإذا استطاع فرد أو أفراد طبقة أخرى- بجهدهم وسعيهم- أن يكتسبوا من المال والجاه ما يخرجهم عن حدود الطبقات التى خرجوا منها، وينظمهم في عداد المترفين السعداء، فإن مسلكهم العملى ينسجم أتمَّ الانجسام مع مقتضيات حياة الترف الجديدة وتقاليد المترفين، ذلك أنهم يتنكرون- على مر الأيام- لنشأتهم الأولى، فلا ينتظر منهم إلا أسوأ ما ينتظر دعوة من شركائهم المترفعين. ولهذه الشهوات الحمراء وَقُودها الذى تشتعل به، ولن يكون هذا الوقود إلا حطام الطبقات البائسة، بعد أن يراق دمها، ويستنزف جهدها، ويجف عودها، ثم يرمى بها في أتون المطامع والمظالم، لكى ينعم مَنْ ينعم، ويستريح مَنْ يستريح. ومن ثمَّ فليس أبغض لدى كثير من الفاسقين الذين أهلكهم الترف من كل دعوة توقظ الغافلين، وتقيم القاعدين، وتوجه أصحاب الحق إلى حقهم. وليس أحب إلى قلوبهم من أن تبقى الشعوب جاهلة، لأن العلم ينير لها طريق النجاة. وليس أحب إلى قلوبهم من أن تبقى الأمة مريضة، لأن القوة تخلق روح النقد والتغيير، والصحة توحى بالأمل وتغرى بالنشاط. وليس أحب إلى قلوبهم من أن تبقى الأمة فقيرة، لأن ثمرة عملها- إن كان لها ثمرة عمل- لا يبقى منه فضل يتسع للبذخ والسرف، أو يسمح بالاطمئنان إلى الترف. وقد صدق من قال:"ما رأيت إسرافًا إلا وإلى جانبه حق مُضَيَّع". وعندما تكون الشعوب بهذه المثابة، تسقط من أول ضربة يتناولها بها الاستعمار الخارجى، وتلك هى علة العلل فيما أصاب الشرق أخيرًا من انهيار وانحطاط. 0 ص