والمتأمل في حياة المترفين يجد أن حرصهم على ماهم فيه يغريهم بطلب المال من كل وجه، حل أو حرم، ذاك لايهم. المهم هو كيف تستدام هذه المتع وتيسر أسبابها ولو على أنقاض المغصوبين والمحرومين. ثم هم يعبدون هذه الدنيا التى انغمسوا في فتنها وذاقوا حلاوتها، ومن هنا فقلما ينهضون إلى نصرة حق أو الدفاع عن عقيدة، أو التضحية من أجل مبدأ كريم. ولقد خشى النبى صلى الله عليه وسلّم أن تنغمس أمته في الترف، فتصرفها شهوات الدنيا عن رسالتها وتتهاوى بها في موارد الردى. وكان يحس أن الأزمات التى تمر بالمسلمين طارئة، وأن الدين الحق سيهزم العوائق التى تعترضه، وأن أتباعه المطاردين اليوم سيكونون رءوس الناس غدًا فخطب يحذر المسلمين أن يفتتنوا بسعة الغنى وكثرة المال. عن أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه- قال: إن النبى صلى الله عليه وسلّم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: إنما أخاف عليكم من بعدى ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها!! فقال رجل: يارسول الله أو يأتى الخير بالشر؟! فسكت النبى! فقيل له"للرجل"ماشأنك؟ تكلم النبى ولا يكلمك؟! فرأينا أنه ينزل عليه الوحى فمسح عنه الرحضاء فقال: أين السائل؟ - وكأنه حمده- فقال: إنه لا يأتى الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل أو يلم إلا آكلة الخضراء حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت. وإن هذا المال خضرة حلوة فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل- أو كما قال النبى صلى الله عليه وسلّم"إنه من يأخذه بغير حقه كان كالذى يأكل ولا يشبع ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة". 032