فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 145

وهذا الحديث يرشد إلى أن التصرف الحسن في المال هو مناط النفع به، فالمال خير لأنه يصون بدن الإنسان وكرامته، ويحفظ عرضه ومروءته. وهو عندما يكتسب من حق، وينفق في وجوهه الصحيحة لايذم أبدًا، بل إن كسبه- والحالة هذه- جهاد، وإن إنفاقه لعبادة .. إن الأرض تزين بالربيع، وتضحى معه وارفة الظلال دانية الثمر .. والعاقل ينال من هذا الربيع مايكفى حاجته ويحسن هضمه، أما إذا أقبل مسعورا على ما أمامه يجرى وراء كل رغبة ويتناول كل ما يتيسرأخذه، فقد يصبح كالدابة التى تستحلى الأكل، فما تزال تقضم وتبلع حتى يكتظ جوفها بما لا تطيق، وكم في الناس من أشباه لهذه الدواب! يجمعون ما لا يتقون الله في تحصيله، ويركمون من ثرواتهم حولهم مثلما تنسج دود القز حول نفسها، فماتزال تكثر الخيوط حتى يكون نسيجها مقبرتها .. ! ولو أن شرور المترفين تلحقهم وحدهم لجاز تركهم وما يصنعون بأنفسهم، ولكن الأمم يلحقها بلاء عظيم من ظهور هذه الطبقات واستقرارها، ومن تكون أوضاع عامة تسلط هذه الطبقات على سائر الأمة مهما كان نصيبها تافها من التقوى والذكاء. إن الأمم يجب أن تسير وفق ضوابط الإيمان والخلق، وأن تولى وجهها شطر أهداف رفيعة، وألا تسمح لنوازع الهوى والجورأن تميل بها وراء كبراء سفهاء. ولهؤلاء الأكابر المجرمين منطق خاص في الحكم على الأمور فربما أبغضوا أحكم الرسالات وأجدرها بالاتباع لا لشىء إلا لأن الفقراء سارعوا إلى اعتناقها، وما دام الفقراء قد اقتربوا من الحق فقد شاه وجه الحق وساء طريقه! وقد حكى القرآن الكريم هذا المنطق:"وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم". فإذا فرض الحق نفسه على الحياة والواقع قالوا: لا بأس به على شرط أن يجيئنا مثله فلا يكن أحد أفضل من أحد! إن نظرتهم إلى المبادئ وأصحابها من خلال زاوية واحدة هى مكانتهم وعصبيتهم. 033

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت