والترف إلف هذه المعيشة الناعمة، واستدامة عناصرها ومظاهرها، والضجر لتخلف شىء منها لأن التنعم أصبح عادة مستحكمة .. ويبدو أن المرء عندما يألف مستوى خاصًا من الحياة الرضية يفقد لذة الإحساس بها، وقد نسخط مايعده الآخرون أملا لهم بعيد المنال .. وذاك سر قول الرافعى: إن الله أخذ اللذة من أفواه الأغنياء فوضعها في عيون الفقراء. ويبدو كذلك أن هذا هو السر في تقلب حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بين الضراء والسراء، فقد روى أن المعيشة الرغدة عرضت عليه، وأنه خير بين امتلاك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وبين حياة الكفاف، فآثر أن يكابد الحياة على لونيها، وقال: يارب أجوع يومًا فأذكرك وأشبع يومًا فأشكرك!!. ولندع سيرة الأنبياء في مستواها الأشم لنقول: إن الترف يفسد ذوق الفرد وحكمه، وإنه إذا شاع في أمة أصابها ببلايا جمة .. فالمترفون يكاثرون غيرهم بالفضول التى يجمعونها، ويتنافسون بينهم في اصطياد المتع، ويقبلون على الدنيا بنهمة لا تنتهى، وهذا كله يقع على حساب الحق والخير، ومطالب الإيمان وحدود الله. وقد كشف القرآن عن طبيعة مجالسهم التى يشيع فيها اللغو والطعن وتناول الآخرين بما يسوء"ويل لكل همزة لمزة * الذى جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة". والمترفون يزدرون نعم الله عندهم، وتغريهم كثرتها بابتذالها وقلة شكر الله عليها، وإراقتها فيما لا جدوى منه، والضن بها على من يحتاجون إليها، ولعل ذلك هو السبب في جعلهم خلاصة أهل النار"وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال * في سموم وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم * إنهم كانوا قبل ذلك مترفين"031