وإذا كانت الغاية التى شرعت من أجلها الزكاة، هى تحرير الفقراء من قيود الفاقة، وإطلاق إنسانيتهم من إسارها الحالك، فلْنُحَقِقْ هذه الغاية كاملة، وَلْنَحمل ما تفرضه علينا من تكاليف، قليلة أو كثيرة! لكن إبقاء كثير من الناس صرعى للفقر والمسكنة كان- والحق يقال- هدف أكثر الحكومات المتتابعة، في العصور السابقة واللاحقة!!. إذ أن تجويع الجماهير، بعض الدعائم التى تقوم عليها سياسة الظلم والظلام!. ومن هنا انتشر الفقر انتشارًا ذريعًا في الشرق الإسلامى، وسخر الدين ورجاله، لحمل الناس على قبوله واستساغته، وفسرت نصوص الدين المتصلة بهذا المعنى، تفسيرًا سقيمًا، نسى الناس معه حقوقهم وحياتهم، وجهلوا دنياهم وأخراهم، وحسبوا الفقر في الدنيا، سبيلا إلى الغنى في الآخرة، كما أسلفنا القول!. ونحن لا ننكر أن هناك آثارًا دينية، تحمد الفقر وتنوه بشأنه. ولكن ما دلالة هذا وما معناه؟ هل إذا قال شاعر: جزى الله الشدائد كل خير عَرَفْتُ بها عَدُوى من صديقى قلنا: إن الشدائد خير .. وألفنا مصلحة أو وزارة، نسميها وزارة الشدائد لتذيق الناس لباس الجوع والخوف؟!! وإذا قال القرآن الكريم في وصف حديث الإفك، الذي طُعِنَ به شَرَف السيدة عائشة- صانها الله وكرمها-: (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم) قلنا: إن الإفك خير، وألفنا جماعة لترويج الزور، ورمى الناس به، ودعوة الناس إلى الصبر عليه!! وإذا وقعنا على حديث للنبى صلى الله عليه وسلّم يمدح الفقر على النحو الذى عزيت به السيدة المتهمة بالإفك، وجدنا من بعض المتدينين من يؤلف طوائف من المتسكعين والمتبطلين باسم التصوف أو غيره، ليعيشوا في الدنيا فقراء بائسين!! أجل، فإن الشدائد خير، وإن الإفك خير، وإن الفقر خير، مادامت الطبقات الكثيفة من الشعوب ستنام على الضيم، تاركة النعمة والترف والبذخ لمن قيض لهم هذا كله من المحتكرين والمستغلين!! 114