وأنكرت الشعوبية كل صفات العرب الخلقية الكريمة دامغة لهم بالجبن والبخل والعجز [1] وعابوا خضور بديهتهم وفصاحة خطبهم وبلاغتهم وما كانوا يستعينون به في أثناء الخطابة من الاتكاء على أطراف القسي والعصي والإشارة بالقضبان والقنا وسخروا من الاتهم وأساليبهم في الحرب وخططهم في القتال ووصفوهم بالتأخر والانحطاط في العلم والصناعة والإدارة والسياسة [2] .
ولكن أكثر ما يهمنا في بحثنا من مظاهر العداء الشعوبي للعرب هو ظاهرة الطعن في الأنساب العربية إذ زعموا أن العرب كان ينكح بعضهم نساء بعض في غاراتهم بلا عقد نكاح فاختلطت أنسابهم وأصولهم وتداخلت دماؤهم وأشخاصهم [3] ، ولعل سبب هذا الاهتمام الكبير الذي وجهته الشعوبية إلى الأنساب العربية فطعنت بها يعود للمكانة العظيمة التي يحتلها النسب من نفس العربي وأهميته البالغة عنده فقد كان محفوظا في صدور الرجال والمدونات للمفاخرة والمفاضلة فهو عند العرب من أهم العلوم وأرفعها منزلة، وإلى تلك المكانة العالية والركن الهام توجه الشعوبيون بالدس والتشويه للانتقاص من أصالة العرب وهتك كرامتهم فقد ادعى خصومهم أنهم أصحاب الأعراف الناصعة والأنساب الرفيعة فهم أبناء الملوك والأمراء وادعوا النسب إلى إسحاق بن ابراهيم وفخروا به على العرب أنه لسارة الحرة وأن إسماعيل أبا العرب لهاجر الأمة، فبنوا الأحرار هم العجم وبنو اللخناء هم العرب [4] . وبرز فن الكتابة في المثالب كرد فعل مباشر من الشعوبية ضد عناية العرب الشديدة بأنسابهم وحرصهم البالغ عليها، وظهرت أسماء عديدة اشتهرت في هذا الميدان منهم شعراء وأدباء مشاهير، فهذا الشاعر الفارسي الأصل بشار بن برد الذي كان أيام الأمويين يفخر بولائه لبني عقيل كما في قوله:
إنني من بني عقيل بن كعب ... موضع السيف من طلى الأعناق [5]
أصبح أيام العباسيين يجاهر بعدائه للعرب وتهكمه عليهم ثالبا مواليه القيسيين
(1) كتاب العرب لابن قتيبة برسائل البلغاء ص 370365.
(2) البيان والتبيين الجاحظ 3/ 124.
(3) العقد الفريد ابن عبد ربه 3/ 412.
(4) كتاب العرب لابن قتيبة برسائل البلغاء ص 351.
(5) كتاب الأغاني الأصفهاني 3/ 139.