فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 459

عند ما فكرت بمتابعة دراستي وتحصيلي العلمي في قسم الدراسات العليا بجامعة دمشق كان الذي يشغل تفكيري دائما هو الموضوع الذي سيكون مجال بحثي لتقديم (رسالة الماجستير) ذلك الهاجس الذي يشغل بال كل طالب علم وهو يبدأ أول خطوة في مشوار لا نهاية له فالعلم هو الوطن الوحيد الذي لا يعرف الحدود.

الأمر الوحيد الذي كان مستقرا في ذهني هو أن يكون بحثي في مجال تراثنا الخالد وذلك لأسباب سأذكرها في ما بعد ومن هنا كانت المواضيع أمامي متعددة ومتنوعة وبمعونة أستاذي المشرف وهديه، ألقيت مرساتي على شاطىء علم الأنساب العربي لأتجول على أرضه البكر جامعة كل معلومة قيلت عنه أو فيه، لاخرج بدراسة متواضعة، أو بمحاولة لتناول هذا العلم العربي الأصيل بالدراسة والتحليل منذ ولادته إلى أن أصبح يافعا وعلما قائما بذاته، مشكلا أحد عطاات ينابيع ثقافتنا العربية الإسلامية التي أضاءت بنورها العالم بأسره.

وعند مبلغ علمي أنه لم يسبق أن بحث هذا العلم بشكل واف ومستقل، فكل ما كتب فيه أو قيل عنه هو مقدمات ومقالات متناثرة هنا وهناك في بطون الكتب. ورغم أهمية هذا العلم البالغة التي سأوضحها في ما بعد لم يأخذ حقه الكافي من البحث والدراسة كبقية العلوم الاخرى، ولعل مشروع دراستي هذه يكون خطوة البداية على طريق أتمنى أن يتابعه كل من يهمه هذا الميدان.

وكثير من الأصدقاء استغربوا اختياري لهذا الموضوع بالذات وقالوا لي: ألم تجدي موضوعا اخر للبحث فيه؟ إنه موضوع قديم عفا عليه الزمان ولا فائدة ترجى منه اليوم. إن البحث في دفائن الكتب وإحياء مواتها لا يتناسب مع متطلبات عصرنا هذا

كفانا العيش على بقايا الماضي ولننظر إلى حاضرنا على ضوء الثقافات المعاصرة وما تقدمه لنا من جديد كل يوم.

وإلى هؤلاء الأصدقاء وكل من يطرح هذا الرأي أقول:

إن الزمان وحدة متكاملة لا يمكن أن نجزأها، فاليوم غدا سيصبح الأمس، والغد سيصير اليوم، وإننا نحصد بحاضرنا ما زراعناه في ماضينا القريب، ونقطف ثمرات مستقبلنا بما نقدمه في حاضرنا، والإنسان ابن الأمس واليوم والغد، ولا يمكن أن ينسلخ عن ماضيه، فهو جزء منه يعيش في وجدانه، وماضي الأمة هو جذورها الثابتة في وجدانها وشجرة بلا جذور لا تقاوم تحديات الطبيعة فكيف ننسلخ عن ماضينا الذي يعني أصالتنا واستمرار وجودنا؟ وكيف نتجاهله نحن؟ والعالم كله منذهل أمام إشراقه، ولم يتطور إلا من عطااته، فماضينا هو تراثنا، والأمة التي تطرح تراثها هي كمن ينتحر سواء بسواء، ذلك لأن التراث هو روح سارية في كيان الأمة عبر العصور والأجيال، إنه الثوابت التي تميز ملامح الأمة عن سواها، فهو أشبه ما يكون (بالمتحف) الزاخر بالنصب والشواهد التي تجعل الماضي حاضرا، والغائب شاهدا، والغابر ماثلا للعيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت