قد يبدو مملا هذا العرض الموجز والسريع لمعظم الأحداث السياسية التي حصلت في تلك الفترة (132هـ 232هـ) ، ولكن كان لا بد من ذكرها لإعطاء صورة مجملة عن وضع الخلافة العباسية لندرك مدى قوتها وتماسكها في ذلك العهد فقد اجتازت جميع الصعوبات التي واجهتها وتغلبت على جميع حركات المعارضة التي قامت ضدها وذلك يعود إلى الترابط المتين بين القوى السياسية والإدارية المنظمة لشؤون الدولة، من مركز الخليفة إلى الوزارة إلى قيادات الجيش، إلى الولاة ولطالما كان مركز القيادة المتمثل بالخليفة قويا مهابا، فارضا لسلطانه، استمر حال الدولة كذلك قوية، متماسكة يهابها القاصي والداني، ولذلك عندما كان يدب الضعف في مركز الخلافة يتسرب الانهيار لجسم الدولة أيضا وذلك هو شأن الحكم في كل العصور ولا نجد من الضرورة هنا البحث في النظم الإدارية ومناصبها وكيفية عملها، لكننا ننوه إلى أن أعلى هذه المناصب كان الوزارة وقد اشتهرت عدة أسر عملت في ميدانها انذاك مثل أسرة ال برمك، فضل، بن سهل [1] .
تدفقت الأموال على خزائن الدولة العباسية، فكان الذهب والفضة يحملان اليها من أطراف الأرض، من مصادر متعددة أهمها الخراج المفروض على الأراضي ومحصولاتها فقد كثرت الواردات لسعة أراضي المملكة الاسلامية، وكثرة العاملين في مجال الزراعة، وارتفاع قيمة الضرائب المفروضة على الأراضي.
كما تعددت مصادر الجباية من ضريبة أعشار السفن وأخماس المعادن والجزية إلى المكوس والمراصد والجمارك وغيرها [2] .
إذا كان الغنى والثراء عظيما ونجم عنه الترف والبذخ الذي بدا واضحا في قصور الخلفاء والوزراء وجميع فئات الطبقة الحاكمة، فقد حوت من الطنافس والتحف الثمينة والتماثيل المذهبة والأواني المرصعة بالجواهر ما ليس له مثيل، وكانت أيضا تموج بالبسط الإيرانية والأرمنية الثمينة، وكانت الجدران والأبواب والأسقف تذهب وتعلق هنا
(1) لمزيد من المعلومات انظر في كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري ص 206وما بعدها.
(2) انظر أسباب الثروة العباسية، تاريخ التمدن الإسلامي جرجي زيدان 1/ 325.