فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 459

وفي حقيقة الأمر لم يكن يعني النسب عند عرب الجاهلية إلا المعيار الأخلاقي، وما الكرم والشجاعة والفروسية والحكمة وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم إلا طريقا مؤدية إلى النسب للأجداد، فبهذه الأخلاق تكون الأصالة وبها التفاخر وبفقدانها يكون مجال الطعن والتنافر، وهذا ما نلمسه بشكل واضح في قصائد الشعر الجاهلي الذي وصلنا بعضه.

ولما جاء الإسلام أحدث بقدومه ثورة هامة في حياة العرب، إذ نقلهم من طور الوحدات السياسية المتعددة القائمة على نظام القبيلة إلى وحدة سياسية ممثلة بنظام الدولة ونمّى فيهم براعم الشعور القومي، فأحس العرب بقوميّتهم الجامعة، وفي كونهم أمة واحدة لها خصائص الأمة، ووضع الإسلام مفاهيم جديدة للعصبية والعروبة والنسب فقد جاءت رسالته لتتمم مكارم الأخلاق ولم يلغ مكانة النسب إنما جعل الهدف من تعلمه وحفظه التكاتف والتراحم، وجاء ذلك على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

«تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» [1] . وقد كان كثير من الصحابة يتقنون هذا الفن ويحفظون الأنساب وفي طليعتهم أبو بكر الصديق الخليفة الراشدي.

2 -عصر الفتوح وانعكاساته على علم النسب:

كان لهذا العصر التأثير الهام في حياة العرب بما أحدثته الفتوح الإسلامية من تطورات اجتماعية وسياسية واقتصادية، فقد نشأت عصبيات الأقاليم والأمصار ونجم عنها التنافس بين القبائل التي تسكن في كل منها، كما تشكلت ارستقراطية عربية تمتعت بمميزات خاصة بحكم مكانتها ونسبها، مقابل فئة الموالي التي أخذت بالإزدياد والنمو وبالتالي شكلت ضغطا معارضا للحكم العربي وامتيازاته، ومن ناحية أخرى بدأت تنمو بذور الشعوبية وكان لها مظاهر وأهداف وضحناها في مكانها.

أما من الزاوية الاقتصادية فقد اتسعت موارد الدولة وتنوعت مصادرها، فكانت الحاجة ملحة لإيجاد جهاز ينظم واردات الدولة ونفقاتها، ومن هذه الضرورة أسس ديوان الجند بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب الذي شكل لجنة ثلاثية مكونة من كبار رجال قريش الذين اشتهروا بمعرفة الأنساب، وأشار عليهم بوضع الناس على مراتب اتفق عليها وعلى حسبها يكون العطاء، وكان للأسس التي اعتمدت في تدوين أنساب القبائل لهذا الديوان أكبر الأثر في تطور علم النسب، إذ اعتمدها النسابون العرب أصلا في كل ما كتبوه وصنفوه في ما بعد، وبالتالي وبتأثير كل العوامل السابقة التي ذكرناها ازدادت عناية العرب بأنسابهم فحرصوا عليها وحفظوها ورووها.

3 -العصر الأموي:

إن الأحداث السياسية التي برزت انذاك من ظهور مشكلة الخلافة والإمامة وتشكل الأحزاب السياسية المعارضة للحكم الأموي وسياسة توازن القوى بين القبائل

(1) مسند أحمد بن حنبل 2/ 347، الترمذي، 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت