تأخذ هذه الخلافة الوجهة الشرعية ادعت النسب الفاطمي نسبة إلى فاطمة ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولتضمن أيضا التأييد الشعبي لها، وهذا ما دفع الخلافة العباسية ومؤيديها إلى نشر محضر في بغداد عام 1011م / 402هـ ضد الخلافة الفاطمية اتهمت الخلفاء الفاطميين بأنهم لا يمتون بنسب صحيح إلى فاطمة وعلي بن أبي طالب [1] .
وهكذا كان لا بد لنا من إعطاء لمحة تاريخية ولو موجزة عن الصراع بين الأحزاب السياسية والدينية لنبين كيف أن النسب كان محورا من المحاور التي تصارعت حولها هذه الأحزاب، ووسيلة لإثبات الأحقية الشرعية للوصول إلى السلطة. وهذا كان واقعا هاما لزيادة الاهتمام بالنسب والعناية به والحرص عليه، وبذلك تحولت جهة الاهتمام، بالنسب في منتصف القرن الثاني الهجري من القبائل العربية إلى الانتساب إلى قريش وبالتحديد إلى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم فصار شريفا كل من كان من أهل البيت سواء أكان علويا أم عباسيا أم جعفريا، خاصة وأن زعماء الأحزاب السياسية هم من الأشراف نسبا.
ولم تكن مشكلة الإمامة والصراع الذي كان بين الأحزاب السياسية حولها هي الدافع الوحيد الذي دعا النسابين إلى زيادة الاهتمام بالنسب وحفظه والحرص على تدوينه، بل ظهر منذ بداية العصر العباسي الأول تيار مد جارف تمثل في الحركة الشعوبية التي اتخذت الواجهة الحضارية الثقافية ستارا تخفي وراءه حقدا دفينا على العرب والعروبة، وعبّرت عن هذا الكره بمظاهر شتى وسلكت طرقا عديدة، وكانت أعنف الضربات منها وأقساها موجهة إلى الأنساب العربية موضع إباء العربي ومكانته وعزه وشرفه، وقام الصراع عنيفا بين العرب والشعوبيين تمخض عنه نتائج هامة كان لها تأثيرها الكبير المباشر على مسيرة تطور علم الأنساب العربية ولكن قبل الشروع في بحث النتائج لا بد من التعرف على غايات الشعوبية وأهدافها ومظاهرها فقد كان الطعن في الأنساب العربية أحد هذه المظاهر.
وإذا أردنا التعرف على الشعوبية من الوجهة التاريخية نجد أنها حركة مناهضة للعرب تتعصب عليهم وتحط من قدرهم، ساهمت بها بعض فئات من الأمم التي
(1) تاريخ العرب والاسلام ص 407.