فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 459

أذعنت للعرب كالنبط والقبط والعجم وبعض الأندلسيين والزط من أهل السند، والزنج من أهل افريقية، كما يصور ذلك الجاحظ في رسالته (فخر السودان على البيضان) [1] .

وجمع بين هؤلاء الشعوبيين على اختلاف أصولهم وأجناسهم مفاخرتهم للعرب واستطالتهم عليهم وحطهم من شأنهم، إلا أن الدور البارز في هذه الحركة مارسه الشعوبيون الفرس فقد كانت أرض العراق المسرح الأساسي الذي ظهرت عليه وترعرعت فيه تلك الحركة، لأنه كان ملتقى العنصر العربي الفاتح الغالب بالعنصر الفارسي المغلوب، وبدأت هذه الحركة في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وبقيت مستترة طوال العصر الأموي [2] ، إلى أن قامت الثورة العباسية، فالتفت جموعها ودعاتها حول أبي مسلم الخراساني الثائر على الأمويين بطل الشعوبية السياسي وقائد جيش الثورة العباسي في خراسان، فانضموا اليه وساندوه إلى أن تمكنت الثورة العباسية من القضاء على الحكم الأموي الذي لم يكن يفسح المجال أبدا أمام العناصر الأعجمية لإبراز نفوذها وتحقيق مطامعها، فقد كان حكمهم عربيا خالصا بكل سلطاته، ونتيجة هذا التغير الجذري في مقاليد الحكم والخلافة وتحولها من أيدي الأمويين إلى العباسيين استطاع الموالي الفرس خاصة النفوذ إلى مناصب الدولة العباسية العليا بحيث كان منهم أكثر القواد وأكثر الولاة والوزراء، لا بل اعتبروا أنفسهم حماة الحكم والخلافة كما دل على ذلك قول أحد شعرائهم وهو بشار بن برد:

سقنا الخلافة تحدوها أسنتنا ... والقاسطون على جهد وإسهاد

حتى ضربنا على المهدي قبته ... فسطاط ملك بأطناب وأوتاد [3]

ويرجع كثير من المؤرخين والباحثين دوافع ظهور الشعوبية إلى أسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية منها تعصب الأمويين لعروبتهم واضطهادهم للموالي وظلمهم وسوء الحالة الاجتماعية التي كان يعيشها هؤلاء من فقر مدقع وعوز شديد، وحرمانهم من الوصول إلى المناصب والسلطة بالرغم من أن الإسلام سوى بين جميع الناس، وبالطبع ليس من مضمون بحثنا مناقشة هذه الدوافع لنفيها أو تثبيتها، لكننا نوافق عبد العزيز الدوري على رأيه في أن (إلقاء المسؤولية على الأمويين لن يفيد الموقف في شيء

(1) رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون 1/ 179.

(2) الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأول. حسين عطوان ص 149.

(3) ديوان بشار بن برد 2/ 300.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت