إن سيرة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم تشكل الركيزة الأساسية لحركة التاريخ العظيم الذي يعتز به المسلمون على اختلاف لغاتهم وأفكارهم، وانطلاقا من هذه السيرة دوّن المسلمون التاريخ، فهي تحوي زخم الرسالة الخالدة، فيها يجد الإنسان صورة المثل الأعلى، ومنها يفهم شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم النبوية، وبهديها يفهم المسلم كتاب الله تعالى ومقاصده، وعبر مطالعتها يتجمع لدى المسلم أكبر قدر من الثقافة والمعارف الإسلامية الصحيحة، خاصة لكونها سجلا تاريخيا فقهيا، أدبيا وهي في الوقت نفسه مصدر هام في النسب النبوي القرشي أيضا. ولهذا لا يمكن لأي باحث سواء أكان مؤرخا أو فقيها أو أديبا أن يستغني عن الرجوع إليها، فهي تحوي أخبار العرب قبل الإسلام، وتنطلق معهم مواكبة سيرتهم منذ أن كانوا في اليمن، وتتحدث عن ملوكهم وأديانهم وأيامهم، ثم تستقر معهم في مكة لتصور لنا واقع حياة العرب فيها ونتعرف من خلالها على سكانها وأحوالهم الدينية والدنيوية، وتنقل لنا صورا واضحة من حياتهم، أحلافهم وحروبهم، ثم تتسلط الأضواء على قبيلة قريش وعلى الأخص بني هاشم لكون النبوة فيهم ممهدة للدخول إلى سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فتتحدث عن ولادته ونشأته وأخلافه وشبابه وزواجه إلى أن تصل إلى فترة بعثه نبيا فتصبح التفاصيل أدق وأوسع فالأخبار والأحداث تتوالى وهذا الحدث العظيم الذي هز أركان الجزيرة العربية حريّ أن يدوّن بعناية واهتمام. ثم تنتقل بنا السيرة من الحديث عن إسلام الصحابة الكبار إلى أخبار ما عاناه المسلمون الأولون من بطش قريش، الأمر الذي انتهى بالهجرة إلى يثرب التي أصبحت المدينة المنورة لإقامة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، وصارت عاصمة الإسلام ومركز الدولة الناشئة التي حملت عبء نشر رسالة الإسلام، ومنها انطلقت هذه الدعوة إلى أصقاع الأرض، وترد التفاصيل تباعا عن الغزوات والسرايا التي قادها الرسول لتحقيق ذلك الهدف، إذ استمر كفاحه من أجل ذلك ما يقارب عشر سنوات بارا بيمينه: لن أترك هذا الأمر حتى يظهره
الله أو أهلك دونه. وتنتهي تلك السيرة العطرة بالنهاية الحتمية لكل مخلوق على هذه الأرض.
ذلك هو مضمون كتاب السيرة النبوية التي استفدت من مادتها أيما فائدة، خاصة في مجال التحقيق، إذ أن ابن سلام أورد الكثير من أخبار المغازي وأحداث صدر الإسلام وسير الصحابة وأفعالهم عندما ذكر أنسابهم بالإضافة إلى أخبار العرب في الجاهلية، لذلك كانت مصدري الأول الرئيسي الذي اعتمدت عليه ولازمني طوال عملي في التحقيق.
يعتبر هذا الكتاب أقدم مصدر كامل للتاريخ العربي، حيث بدأه بالخليقة وانتهى فيه إلى 302هـ ورتب حوادثه وفقا للمنهج الحولي وأتبع في روايته للأخبار والحوادث طريقة (الاسناد) أي إسناد الرواية إلى سلسلة من الرواة توثيقا للأخبار التي يرويها متأثرا بثقافته كمحدث وفقيه، والطبري لم يكن يفضل رواية على رواية وإنما كان يكتفي بعرض الروايات فيقف موقفا حياديا، ولعل اعتماده على الإسناد كان سببا في وفرة مصادره، وكان له أعظم الأثر في اعتماد من جاء بعده من المؤرخين عليه مثل مسكويه وابن الأثير والذهبي.
ويقتصر القسم السابق على العصر الإسلامي في تاريخه على مجموعة من الأخبار عن الاسرائيليات وتاريخ العرب وتاريخ الفرس، أما في مجال حديثه عن سيرة النبي فقد اتبع فيه منهج كتاب السير والمغازي مع تتبع للأحداث التي مرت بها الدولة العربية الاسلامية منذ الهجرة النبوية وفقا لترتيبها الزمني والاهتمام في ان واحد بذكر سلسلة الإسناد واهتم في الوقت ذاته بإيراد تراجم للخلفاء وسني وفاتهم والمادة التاريخية عنده تعتبر أوثق ما كتب لأنه كمحدث دقيق حاول انتقاءها بالنصوص عن أصحابها الرواة الأولين.
الكامل في التاريخ لابن الأثير أبي الحسن عز الدين بن علي ت 630هـ:
هو أحسن ما صنف من كتب التاريخ العالمي الإسلامي على نسق الحوليات، ولقد حرص ابن الأثير في كتابه على حفظ التوازن بين أجزاء تاريخه المختلفة كما بذل جهدا كبيرا في مراعاة التوازن بين الأحداث في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وعندما
يقترب من عصره يحاول تفصيل الأحداث التاريخية دون أن يخل بنسبة المادة التي يوردها، ومن حيث المنهج نلاحظ أنه طبق منهج الكتابة على حسب السنين مع عدم الاخلال برواية الحادثة الواحدة التي جاءت مقطعة في سنة واحدة كما وضع الأخبار الثانوية تحت عنوان (ذكر عدة حوادث) . ويمتاز كتابه بما يلي: