فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 459

العجلي [1] الذي كان أميرا على الكرخ بعث إلى عبد الله بن طاهر يستهديه أبا عبيد مدة شهرين فأنفذه اليه وأقام أبو عبيدة عنده مدة الشهرين، ولما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها وقال: أنا في جنبة رجل لم يحوجني إلى صلة غيره، فلما عاد إلى ابن طاهر وصله بثلاثين ألف درهم، فقال أيها الأمير قد قبلتها ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحا وخيلا وأوجه بها إلى الثغر ليكون الثواب متوافرا على الأمير ففعل [2] .

صفاته وأخلاقه:

وتلقي هذه الرواية ضوا على سلوك أبي عبيد مع حكام عصره، ذلك السلوك الذي اتسم بالنزاهة والتعفف والقناعة، إلى جانب الثقة بالنفس والورع والتقى، وحفظ المعروف والجميل لم يفعله فهو لا ينكر تقدير ورعاية عبد الله بن طاهر له، بل يشكر له ذلك أمام رجال الدولة والمجتمع وعندما يكون المال كثيرا بين يديه، يتبرع به للجيش المدافع عن ثغور الدولة الإسلامية وهذه الصفات الحميدة التي كان يتحلى بها أبو عبيد إلى جانب علمه الواسع جعلت الناس يقدرونه ويبجلونه وينظرون إليه بكل إجلال وتكريم، ونلمس ذلك بكل صدق عندما نطلع على اراء علماء عصره وتلاميذه فيه، فهو رجل تقي، ورع، لم تفسده صحبة الأمراء وذوي النفوذ، ولم تبعده كثرة المال عن عمله وتلاميذه. وتورد المصادر عدة حوادث وروايات تؤكد على الجانب الإنساني والخلقي في حياته، فقد ورد على لسان عباس الخياط أنه قال:

«كنت مع أبي عبيد، فجاز بدار إسحاق بن إبراهيم الموصلي فقال: ما أكثر علمه بالحديث والفقه والشعر، مع عنايته بالعلوم. فقلت إنه يذكرك بضد هذا، قال: وما ذاك؟

قلت: ذكر أنك صحفت في المصنف نيفا وعشرين حرفا، فقال: ما هذا بكثير، في الكتاب عشرة الاف حرف مسموعة فغلط منها بهذا ليسير، لعلي لو ناظرت عنها لاحتججت فيها ولم يذكر إسحاق إلا بخير» [3] .

(1) أبو دلف العجلي، اسمه القاسم بن عيسى بن إدريس كان شاعرا وأديبا وقائدا شجاعا وكريما ولي أمارة الكرخ وكان من أبرز قواد جيش المأمون. توفي في بغداد 225هـ (انظر تاريخ بغداد 12/ 416) .

(2) طبقات الشافعية 2/ 155، نزهة الألباء ص 94، تاريخ بغداد 12/ 406، مخطوطة ابن عساكر، تاريخ دمشق م 14، الورقة 163.

(3) طبقات النحويين واللغويين ص 221، معجم الأدباء 16/ 258، تاريخ بغداد 12/ 413.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت