بن معين [1] وسمع علماءها وكتب بها [2] . مما يدل على أنه تابع عمله ونشاطه العلمي، وأما الجانب الإيجابي لعمله بالقضاء، فيظهر واضحا في ازدياد خبرته وثقافته في مجال الفقه والافتاء، ويدل على ذلك معظم مواضيع كتبه الفقهية التي ألفها مثل كتاب الأموال الإيمان والنذور أدب القاضي [3] وغيرها.
ومهما يكن الأمر فإن أبا عبيد بعد سفره إلى مصر قفل راجعا إلى بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية ونزل بدرب الريحان، وبدأ يفسر غريب الحديث ويسمعه للناس، ولما انتهى من تأليف هذا الكتاب عرضه على عبد الله بن طاهر فاستحسنه وقال «إن عقلا بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش» وأجرى له عشرة الاف درهم [4] .
ولم يكن (كتاب غريب الحديث) الكتاب الوحيد الذي أهداه أبو عبيد إلى عبد الله بن طاهر بن الحسين بل تذكر المصادر أنه كان منقطعا تماما للأمير عبد الله بن طاهر، وكلما ألف كتابا أهداه إليه فيحمل إليه مالا جزيلا [5] . وقد روى البغدادي عن ابن درستويه أن لأبي عبيد كتبا لم يروها، وأنه راها تباع في ميراث الطاهريين وهي كثيرة في أصناف الفقه كله [6] . وقد كان لعمل أبي عبيد كمؤدب ومعلم لأولاد الأمراء والقواد الأثر الكبير في حياته الاجتماعية، فقد توفرت له فرصة الاحتكاك بأكابر العلماء والناس في بلاط هؤلاء فحدث وناقش وناظر أشهر علماء عصره، واستطاع أن يثبت جدارته وكفاءته العلمية في عصر كان التنافس فيه على أشد ما يكون بين العلماء فكسب تقدير واحترام الخاصة والعامة بعلمه وثقافته إلى جانب خلقه الرفيع وورعه، فقد قيل إن أبا دلف
(1) هو أبو زكريا يحيى بن معين بن عون المري، توفي 233هـ، كان محدثا، أمينا، صدوقا عالما بأحوال الرواة وأنسابهم، صنف كتبا عن تراجم المحدثين، ونسخ عددا من الأحاديث وترك مكتبة ضخمة كبيرة. انظر تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين 1/ 158.
(2) تهذيب التهذيب ابن حجر 8/ 308، طبقات المفسرين الداودي 2/ 34، وقد أكد أبو عبيد بنفسه أمر ذهابه إلى مصر، فقد أورد في كتابه (غريب الحديث) أثناء حديثه عن الاختضاب بالصبيب، ما يفيد بذلك إذ قال: (إنه ماء ورق السمسم أو غيره من نبات الأرض، وقد وصف لي بمصر) انظر غريب الحديث 4/ 168.
(3) انباه الرواة 3/ 22، الفهرست ص 107.
(4) تاريخ بغداد 12/ 406، طبقات الحنابلة ص 191.
(5) انباه الرواة القفطي 3/ 23، طبقات المفسرين الداودي 2/ 35.
(6) تاريخ بغداد البغدادي 12/ 404.