ونزل شارع بشر وبشير وواصل عمله كمؤدب لغلام لم تذكر المصادر اسمه بذلك الحي [1] . وأثناء إقامته في بغداد جمعه القدر بثابت بن نصر بن مالك الخزاعي [2] الذي طلب منه العمل في تأديب أولاده ففعل، ولما تولى ثابت حكم مدينة طرسوس [3] وما حولها 190هـ حمل معه أبا عبيد وولاه القضاء بها واستمر القاسم بعمله قاضيا بتلك المدينة طيلة مدة ولاية ثابت لها (ثماني عشرة سنة) [4] .
ويبدو أن طاهر بن الحسين وأسرته التي كانت ترتبط مع أسرة ثابت بعلاقة وصداقة وطيدة هو الذي أوصى ثابتا بأبي عبيد لإعجابه وتقديره الشديد له، وفي خلال هذه الفترة تعمقت الصلة بين أبي عبيد وأسرة طاهر بن الحسين، حيث عمل مؤدبا لها أيضا، وبقي صديقا ناصحا مخلصا وفيا لعبد الله بن طاهر بن الحسين ولأولاده أيضا.
وتجمع المصادر على أن أبا عبيد قضى زمنا طويلا في صحبة عبد الله بن طاهر [5]
والي خراسان وتؤكد على أن تلك الصداقة تعود إلى الفترة التي كان يعمل فيها أبو عبيد قاضيا في الثغور وما قبلها.
وقد كان لاشتغال أبي عبيد هذه المدة الطويلة في القضاء، أثرين هامين في حياته أحدهما سلبي والاخر إيجابي، أما الجانب السلبي في ذلك فيعود إلى عدم إتاحة الفرصة له للبحث العلمي والتأليف والتصنيف إذ انشغل عن ذلك انشغالا تاما [6] . مما دفعه في نهاية الأمر لترك وظيفة القضاء في طرسوس 208هـ والسعي إلى حلقات التدريس والتفرغ للتصنيف وتذكر المصادر أنه في عام 213هـ سافر إلى مصر مع يحيى
(1) انباه الرواة 3/ 19، تاريخ بغداد 12/ 413.
(2) ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي، قائد عربي شجاع، ذو فضل وصلاح، تولى إمارة الثغور ثماني عشرة سنة وله أثر حسن فيها، توفي بالمصيصة 208هـ انظر ترجمته في تاريخ بغداد 7/ 142.
(3) طرسوس: مدينة بالشام حصينة من مدن الثغور، بنى سورها على يد أبي مسلم فرج التركي بأمر من هارون الرشيد الذي أنزلها الناس عام ولي الخلافة في جيش كثيف وعسكر ضخم. دفن فيها الخليفة المأمون وكان خرج غازيا 218هـ (انظر الروض المعطار الحميري ص 388) .
(4) طبقات النحويين للزبيدي ص 217، مخطوطة تاريخ دمشق ابن عساكر مجلد 14الورقة 162.
(5) عبد الله بن طاهر بن الحسين من أبرز ولاة العصر العباسي فقد تولى الشام ومصر ثم خراسان وقد اثره المأمون وفضله، رعاية لحق والده وخدماته الجليلة، وكان عبد الله يجمع حوله كبار الشخصيات العلمية والأدبية في بلاط قصره على الشاطىء الأيمن من نهر دجلة، مبالغا في إكرامهم ورعايتهم، توفي 230هـ.
(6) انباه الرواة 3/ 19.