فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 459

وإلى هؤلاء الأصدقاء وكل من يطرح هذا الرأي أقول:

إن الزمان وحدة متكاملة لا يمكن أن نجزأها، فاليوم غدا سيصبح الأمس، والغد سيصير اليوم، وإننا نحصد بحاضرنا ما زراعناه في ماضينا القريب، ونقطف ثمرات مستقبلنا بما نقدمه في حاضرنا، والإنسان ابن الأمس واليوم والغد، ولا يمكن أن ينسلخ عن ماضيه، فهو جزء منه يعيش في وجدانه، وماضي الأمة هو جذورها الثابتة في وجدانها وشجرة بلا جذور لا تقاوم تحديات الطبيعة فكيف ننسلخ عن ماضينا الذي يعني أصالتنا واستمرار وجودنا؟ وكيف نتجاهله نحن؟ والعالم كله منذهل أمام إشراقه، ولم يتطور إلا من عطااته، فماضينا هو تراثنا، والأمة التي تطرح تراثها هي كمن ينتحر سواء بسواء، ذلك لأن التراث هو روح سارية في كيان الأمة عبر العصور والأجيال، إنه الثوابت التي تميز ملامح الأمة عن سواها، فهو أشبه ما يكون (بالمتحف) الزاخر بالنصب والشواهد التي تجعل الماضي حاضرا، والغائب شاهدا، والغابر ماثلا للعيان.

إن الاهتمام بالتراث لا يعني العودة إلى عصوره، ولا إلى نظم تلك العصور، بل إن هذه العودة هي إحدى المستحيلات، ولا يعني أيضا مجال (الفخر العنتري) به، بل كل ما يعنيه هو التزود من النبع لمواصلة السير إلى الأمام بحيث يصبح زادا صالحا وضروريا لشحن وجدان الأمة بالكبرياء المشروعة التي تعين الأجيال الحاضرة على مواجهة ما يعترض حياتها من تحديات، فاثارنا لا زالت تزين ميادين الغرب، ومخطوطاتنا التي تزيد على ثلاثة ملايين مخطوطة لا زالت تزخر بها متاحفهم بعيدة عن يد الباحثين والمحققين العرب والمسلمين، وليحاول أحدكم أن يحصل على إحدى هذه المخطوطات ويكتشف مدى ما يواجهه من عناء وتكاليف وصعوبات. إذا لماذا كل هذا الحرص على تراثنا من قبل الغرب؟ ألأنه لا فائدة مرجوة منه؟ ولا قيمة ضخمة تساويه [1] ؟.

إن النهضة التي يعيشها الغرب اليوم هي نتاج وعي وعودة أممه لماضيها وتراثها، وعودتها هذه كانت عن طريقنا، فأجدادنا هم الذين حافظوا تراث الأمم وطوروه وأضافوا إليه من عقولهم ووجدانهم، صححوا الخطأ، وحافظوا الصحيح، وأضافوا الجديد، وقدموا للعالم حضارة لا يستطيع إلا أن يعترف بفضلها.

من هنا كان حفاظ الغرب على تراثنا، ومن هذه الأهمية يجب علينا والحاجة

(1) انظر كتاب التراث في ضوء العقل، محمد عمارة، نشر مؤسسة دار الوحدة بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت