وكتب التاريخ العباسي مليئة بذكر العديد من هذه المؤامرات التي استمرت نتيجة الصراع على السيادة بين العنصرين العربي والفارسي، ولم يكن رجال السياسة الشعوبيون وحدهم فقط الذين حاربوا النفوذ العربي بل كان إلى جانبهم طائفة من الملاحدة والزنادقة شاركتهم كره العرب والحقد عليهم وعملت على تهديم مبادىء الدين الحنيف سرا وجهرا وذلك بنشر أفكار الشك والإلحاد والخمر والمجون وكل ما يسيء إلى العروبة والدين فاشتهر في هذا المجال أسماء مثل حماد عجرد [1] ، بشار بن برد [2] ، مطيع بن اياس [3] وغيرهم.
أما الذين كان لهم التأثير الهام على مد تيار الشعوبية إلى أقصى مداه فهم الشعوبيون القوميون، فقد كانوا يستثيرون مشاعر شعوبهم القومية ضد العرب الذين اجتاحوا ديارهم وقوضوا دولهم فظلت أهدافهم وامالهم تسعى نحو إعادة إحياء مجد دولتهم ولغتهم، لذلك قام الأدباء والشعراء والكتاب بتمجيد تراثهم الأدبي والفكري وعملوا على نشره بمختلف الوسائل، واعتبروا ذلك رسالة قومية واجبة عليهم [4] ، فترجموا إلى العربية كتبا كثيرة في الشرائع والنظم والتقاليد والاداب ليفسحوا المجال واسعا لتيار الثقافة والحضارة الفارسية، ويبثوه في أركان المجتمع الإسلامي حتى يعطلوا تيار مد الحضارة الإسلامية وبالمقابل عبثوا بالشعر الجاهلي عبثا شديدا فعمدوا إلى اختلاق الأشعار والقصص صاغوها ونسبوها إلى العرب أنفسهم، تحمل في طياتها تشويها لتاريخ عرب الجاهلية خاصة رووها عن لسانهم وأضافوها إلى دواوينهم، حتى لا يكون للعرب أدب موثوق به يطمئن اليه الناشئة، ويكبون عليه وبرز من هؤلاء حماد الراوية [5] الذي جرحه علماء الكوفة والبصرة واتهموه بصنع القصائد وإفساد الشعر.
ومثله جناد الكوفي [6] وخلف الأحمر [7] .
ومن هؤلاء الأدباء الشعوبيين من اثر السر على الجهر في دعواه والخفاء على
(1) أنظر أخباره في كتاب الأغاني الأصفهاني 14/ 321، تاريخ بغداد الخطيب البغدادي 8/ 148.
(2) الأغاني 14/ 328.
(3) المصدر السابق 13/ 276، تاريخ بغداد 13/ 225.
(4) العصر العباسي الأول شوقي ضيف ص 75.
(5) كتاب الحيوان الجاحظ 4/ 447، معجم الأدباء ياقوت الحموي 10/ 215.
(6) معجم الأدباء ياقوت الحموي 7/ 306.
(7) بغية الوعاة السيوطي ص 242، معجم الأدباء 11/ 68.